لأنّ من عرف مقام ربّه من الغنى والعظمة ومقام نفسه من الفقر والفاقة يعرف نقصان ذاته وأنّ كلّ ما ملكه من أعضاء وجوارح ونعم ، كلّها منه تعالى لا يستحقّ شيئاً إذا صرفه في طريق عبوديّته » « 1 » .
القول الرابع : الثواب والعقاب تجسّم للعمل الدنيوي
حاصل هذا القول : أنّ الثواب والعقاب هو نفس العمل ، أي أنّ حقيقة العمل تتجسّم في دار الآخرة ، بمعنى أنّ للعمل ظهورين : ظهوراً دنيويّاً وهو ما نراه من العمل الحسن والسيّئ ، وظهوراً أُخرويّاً وهو الثواب والعقاب ، وهذا هو القول المعروف بتجسّم الأعمال وتمثّلها ، وكما يظهر من بعض النصوص القرآنيّة :
1 . قوله سبحانه : يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( التوبة : 35 ) . فقوله سبحانه : هذا ما كَنَزْتُمْ يشير إلى الجزاء الذي يُواجَه به الإنسان في الآخرة ، وأنّ هذا الجزاء ليس شيئاً مغايراً للعمل الدنيوي ولذلك وصفه بقوله : هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ، فالكنز له وجودان : وجود دنيويّ وهو الدنانير الصفراء التي تسرّ الناظرين ، ولكنّه في الآخرة نفس الدينار المحمرّ الذي به تكوى الجباه والجنوب وغير ذلك .
2 . قوله سبحانه : وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( الكهف : 49 ) أي أنّ الذي يحضر في الآخرة هو نفس ما عمل الإنسان في الدنيا .
3 . قوله سبحانه : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً ( آل عمران : 30 ) ونحوها من النصوص القرآنيّة التي تدلّ على أنّ الجزاء هو التمثّل الملكوتي وأنّ رابطة الثواب والعقاب مع العمل ليست رابطةً توليديّة
هامش
( 1 ) المصدر السابق .