القول الأوّل : استحالة الترتّب
وهذا القول ذهب إليه صاحب الكفاية ، بمعنى أنّ المكلّف يُعتبر عاجزاً عن الفعل فيما لو توجّه إليه أمرٌ بكلا الفعلين المتضادّين في آنٍ واحد ، وإن لم يكن في حالة امتثالٍ لأحدهما ، فلا يُمكن توجّه أمرين في آنٍ واحدٍ للصلاة ولإنقاذ الغريق ، وهذا يعني أنّ الترتّب مستحيل .
واستدلّ صاحب الكفاية على ذلك ببطلان فكرة الترتّب ؛ وذلك لأنّ فكرة الترتّب جاءت لدفع محذور التكليف بالضدّين ، وهو عدم قدرة المكلّف على امتثال الضدّين معاً ، مع أنّ فكرة الترتّب ترجع في حقيقتها إلى نفس هذا المحذور وهو استحالة التكليف بالضدّين .
بيان ذلك : إنّ الترتّب مبنيٌّ على فعليّة كلا الأمرين ، الأهمّ - وهو الإنقاذ بالمثال - والمهمّ وهو الصلاة ، إذ إنّ المكلّف لو ترك امتثال الأمر بالأهمّ ففي هذه الحالة يكون كلا الأمرين ( الأهمّ والمهمّ ) فعليّين ، أمّا فعليّة الأوّل - وهو الأهمّ - فلأنّه مطلقٌ وغير مشروط بعدم الاشتغال بالصلاة ، ولا موجب لسقوطه بمجرّد عصيانه ما دام المكلّف متمكّناً من امتثاله « 1 » . أمّا فعليّة الأمر بالمهمّ - الصلاة - فلأجل تحقّق شرطه وهو عدم امتثال الأهمّ ؛ لأنّ الأمر بالمهمّ مقيّدٌ بعدم امتثال الأمر بالأهمّ وهو إنقاذ الغريق . ومن الواضح أنّ مقتضى فعليّة كلا الأمرين هو طلب الضدّين في زمنٍ واحد ، وهو مستحيل .
والحاصل : أنّ اجتماع فعليّة الأمرين ( المهمّ والأهمّ ) في آنٍ واحد ، يعني الأمر بهما معاً ؛ لأنّ نسبة الأمر إلى متعلّقه هو نسبة المقتضي إلى مقتضاه في الخارج ، فكما يكون الأمر بالأهمّ كإنقاذ الغريق - مثلًا - يقتضي إيجاد متعلّقه في ذلك الوقت ، كذلك الأمر بالمهمّ يقتضي إيجاد متعلّقه في الوقت ذاته ؛ لأنّه
هامش
( 1 ) مقالات الأصول : ج 1 ص 341 .