العلم المأخوذ في موضوعها هو العلم بما هو منجّز ، لا بما هو كاشف ، فحينئذٍ يكون الخطاب الواقعي المنجّز ، ولو بغير العلم الوجداني ، رافعاً لموضوع أدلّة الأصول العمليّة ، ووارداً عليها ، ومن أمثلته ما يقال في الزكاة : من اشتراط التمكّن من التصرّف خلال العام عقلًا وشرعاً ، فلو لم يكن متمكّناً عقلًا من التصرّف خلال العام ، فإنّه لا ينعقد وجوب الزكاة حينئذٍ بسبب العجز عن التمكّن عقلًا من تنجّز خطاب الزكاة ، كما لو نذر أو وقف هذه العين الزكويّة فيتنجّز خطابُ حرمة التصرّف بها ولو بلا علم ، وبهذا يرتفع موضوع دليل وجوب الزكاة .
النحو الخامس : أن يكون أحد الخطابين رافعاً لموضوع الخطاب الآخر بامتثاله ، وذلك كما في خطاب « صُم شهر رمضان » ، مع خطاب « وجوب الكفّارة على من أفطر » ، فإنّه من الواضح أنّ موضوع الكفّارة على من أفطر إنّما هو المفطر ، ولكن بامتثال خطاب « صُم » وعدم الإفطار يرتفع موضوع خطاب الكفّارة ووجوب الكفّارة .
وإذا تبيّن ذلك نتساءل : عن أيّ نحوٍ من الأنحاء المتقدّمة ينطبق عليه الترتّب ؟
والجواب : إنّ الترتّب يقع في النحو الخامس ، وهو فيما إذا كان أحد الخطابين رافعاً لموضوع الخطاب الآخر بامتثاله .
وبعبارة أخرى : إنّ الترتّب عبارةٌ عن التزاحم الناشئ من عدم قدرة المكلّف على الجمع بين امتثال تكليفين ، من قبيل الأمر بالضدّين كالصلاة وإنقاذ الغريق في آنٍ واحد ، وحينئذٍ فإنّ الأمر بالمهمّ ( الصلاة ) مترتّبٌ على عصيان وترك امتثال الأمر بالأهمّ ( إنقاذ الغريق ) ، وعلى هذا فإنّ الذي يرفع الأمر بالمهمّ ( الصلاة ) هو امتثال الأمر بالأهمّ .
وسيأتي مزيدُ توضيحٍ لفكرة الترتّب في البحوث اللاحقة .
شرح الحلقة الثالثة (الدليل العقلي) — صفحة 129
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٢٩