الحمم البركانيّة - جعلت من المدينة المنوّرة مدينة للزراعة والمزارعين ؛ فكان معظم أهلها يملكون بساتين وحدائق للنخيل ، وكانوا يعملون بأنفسهم فيها ، الكبير منهم والصغير ، كانوا يعملون على سقي بساتينهم - التي كانت تعرف باسم : الحوائط - على مياه الأودية أو مياه الآبار ؛ إذ كانوا يرفعونها بتوسّط الإبل النواضح ، كما استخدموا البقر لحرث أراضيهم .
وقد حثّ النبيّ الأكرم ( ص ) الناس عموماً على الزراعة والإقبال على ممارستها ، فكان العرف السائد في وقتها أن من أحيى أرضاً ميتة فهي له ، وقام بإعطاء بعض المهاجرين أراضي بغية زراعتها والاستثمار فيها ، كما اتُّبعت وسائل أخرى للحفاظ على الثروة النباتيّة في المدينة ، نظير منع قطع السدر إلّا من حرث ، وتطوّر هذا الإجراء أخيراً في مرحلة ما بعد الرسول الأكرم ( ص ) إلى معاقبة من يقطع منها شيئاً .
وهكذا استمرت الزراعة في المدينة المنوّرة حتّى أصبحت النخلة من أهمّ الأشجار المزروعة فيها ، وأكثر أموال أهلها منها ، كما هو الحال في معاشهم وأقواتهم ، وقد بلغ هذا الأمر من الأهميّة على عهد النبيّ الأكرم ( ص ) حدّاً أن يجوز للعبد أن يكاتب مولاه على عدد من النخل يحييها له بالقفير ، كما كانوا يتّخذون من جريدها وجذوعها سقوفاً وأعمدة لبيوتهم ، مضافاً إلى جانب الانتفاع بأليافها وخوصها في صنع الحصران وغيرها ، وكان ثمرها من أهمّ الثمار ، حتّى روي عن الرسول ( ص ) القول حين بدو صلاحها : اللهم بارك لنا في تمرنا « 1 » .
أمّا الحبوب الأخرى ؛ فالشعير والقمح « 2 » يأتي بعد محصول التمر من
هامش
( 1 ) المواهب اللدنيّة بالمنح المحمديّة ، القسطلاني : ج 2 ، ص 45 .
( 2 ) لابد من الإشارة إلى أن هناك روايات جاءت عن طرقنا - وعن طرقهم أيضاً - تشير إلى مغايرة الحنطة عن القمح ، وهذا الأمر لا تساعد اللغة عليه ، ولا العرف أيضاً ، كما أشار في منتقى الجمان ، نعم ؛ ربما يقال : بأن اصطلاح القمح في عصرهم يطلق على الرديء من الحنطة ، وهذا ما يحتاج إلى تثبّت وإثبات ، جاء في من لا يحضره الفقيه : قَالَ أَبُو عَبْدِ الله : مَنْ لَمْ يَجِدِ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ أَجْزَأَ عَنْهُ الْقَمْحُ وَالسُّلْتُ وَالْعَلَسُ وَالذُّرَةُ : ج 2 ، ص 176 ، لاحظ : الوافي ، الفيض الكاشاني : ج 10 ، ص 253 . ملاذ الأخيار ، محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي ( الثاني ) : ج 6 ، ص 222 . ( المقرّر ) .