والمحصّلة : اتّضح من خلال ما تقدّم بأن موضوع الزكاة الأصلي ( / متعلّق المتعلّق ) هو المال ، وتتغيّر مصاديق المال من زمان إلى زمان ، ومن مكان إلى مكان .
بعد هذا العرض الوافر للاتجاه المختار في طبيعة موضوع الزكاة ، لا بأس أن نعود لنقرأ الروايات الواردة في هذا الباب مرّة أخرى ، وفي إطار الرؤية التي انطلق منها اتجاهنا المتقدّم .
الروايات المتعارضة في ضوء الوجه المختار
أمّا الرواية الأولى من الطائفة الأولى وهي صحيحة الفضلاء فقد حملت تفريقاً واضحاً بين الفرض الإلهي والفرض النبوي ؛ حيث فرضت أن أصل تشريع الزكاة كان من قبل الله ، أمّا بيان مواردها فهو من سنّة النبيّ الأكرم ( ص ) ، ولا تعني أن هذا التعيين هو صيغة ثابتة في كلّ زمان ومكان .
وهنا يحقّ لنا أن نتساءل : لابدّ أن يكون لهذا التفريق - أعني ما هو فرض الله تعالى وما هو فرض النبيّ ( ص ) - ملاك معيّن ، وإلّا للزم اللغو ، فما هو الملاك في ذلك ؟
ولعلّ الملاك والنكتة في هذا التفريق هو في كون الفرض الإلهي غير قابلٍ للتبديل والتغيير ، خلافاً للفرض النبوي والولوي ؛ حيث يقبل ذلك بشكل عامّ .
أمّا الروايات الأخرى من الطائفة الأولى والتي قرّرت بأن الرسول الأكرم ( ص ) عَفَا لَهُمْ عَمَّا سِوَى ذَلِك ، فهي في إطار ما وجده الأئمّة ( عليهم السلام ) من استناد عمّال الجباية في زمن حكومات الجور إلى فعل النبيّ الأكرم ( ص ) في أخذ ما زاد على التسعة وأموال التجارة ، فرأوا أن ذلك لا يكون إلّا بالتركيز على أن ما أخذه النبيّ ( ص ) لم يخرج عن دائرة هذه الموارد التسعة فقط ، وعفا عمّا سوى ذلك ، وهذا لا يعني البتة أن هذه الموارد هي صيغة تشريعيّة ثابتة