أن تكون متأخّرة عن تلك الوجوه .
بيان ذلك : إن الجمع الدلالي عبارة عن قرينيّة ظهورات كلام على كلام آخر ، ولا يخفى بأن أحد أهمّ هذه الظهورات التي تصلح للقرينيّة هي : الجديّة في الكلام وعدم إرادة التقيّة ، ومن هنا يقدّم الظهور الحامل لهذه الجدّيّة وهو : ( مخالفة العامّة ) على الظهور الآخر وهو : ( موافقة العامّة ) ؛ لكونه أقوى جدّيّةً ، وهذه الأقوائيّة ناشئة من الظروف الخاصة بالإمام ووضعه ؛ فيكون الحمل على التقيّة من باب حمل الظاهر على الأظهر ، أو الظاهر على النص ، وهذا نظير ما ورد من طوائف الروايات في مسألة طهارة أهل الكتاب ونجاستهم ؛ فإن إحداهما صريحة في الطهارة ، والثانية ظاهرة في النجاسة ، فلولا إمكانيّة حمل أخبار الطائفة الثانية على التنزّه - كما قيل في محلّه - لكانت هناك إمكانيّة الجمع بينهما بحمل أخبار الطائفة الأولى على التقيّة ؛ لموافقتها للعامّة « 1 » .
وكيف كان ، فقد خلُص الفقيه الهمداني في نهاية المطاف قائلًا : « إنّ الجمع بين الخبرين المتعارضين ، بحمل أحدهما على الاستحباب ، وإن كان في حدّ ذاته أقرب من الحمل على التقيّة الذي هو في الحقيقة بحكم الطرح ، ولكنّه في غير مثل المقام الذي يكون احتمال التقيّة فيه أقوى ، فإنّ الحمل على التقيّة حينئذ أقرب إلى الواقع من الحمل على الاستحباب . . . فالإنصاف : أنّ حمل الأخبار المثبتة للزكاة في سائر الأجناس بأسرها على التقيّة أشبه . . . » « 2 » .
لكنه عاد في نهاية ذلك بمحاولة الجمع بين التقيّة والاستحباب استناداً إلى روايات من بلغ ، والتي هي مستند قاعدة التسامح في أدلّة السنن .
ولنا في مناقشة أصل هذا الوجه ( أي الحمل على التقيّة ) مقامان :
هامش
( 1 ) لاحظ : مباحث الأصول ، الحائري : ج 5 ، ص 713 ، بحوث في علم الأصول : ج 7 ، ص 200 .
( 2 ) مصباح الفقيه : ص 105 ، 106 ، 108 .