ومن هنا عطف الكلام ليصف الروايات التي تمسّك بها ابن الجنيد بكونها معارضة بأظهر وأكثر وأقوى منها ، وبعد ذلك أكّد إمكانيّة حملها على مخرج التقيّة ؛ بدعوى أن الأكثر من مخالفي الإماميّة يذهبون إلى وجوبها في جميع الأصناف ، وما يوافق الإماميّة منهم هو الشاذّ النادر « 1 » .
وممن وافقه على هذا الجمع وحاول الانتصار له المحدّث البحراني في الحدائق ، فبعد أن ذكر أن الأصحاب قد جمعوا بين الأخبار بحمل المثبت للزيادة على الاستحباب كما هي قاعدتهم وعادتهم في جميع الأبواب ، ذكّر بما مرّ فيه من مبعدات ، واستظهر في نهاية ذلك الحمل على التقيّة ، والتي هي - على حدّ تعبيره - في اختلاف الأحكام الشرعيّة أصل كل بليّة ؛ وعلّل ذلك بأنَّ القول بوجوب الزكاة في هذه الأشياء مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك وأبي يوسف ومحمّد ، وحاول الاستدلال على ذلك بمجموعة من النصوص الروائيّة والبيانات الفنيّة عرضنا بعضها في مناقشته للوجه الأوّل فلاحظ « 2 » .
أمّا ترجيح ما خالف العامّة على ما وافقهم - والذي قرّره المحدّث البحراني كمستند أساسي لترجيح الحمل على التقيّة - فقد واجه إشكالًا هامّاً من قبل الفقيه الهمداني ، مفاده بتقريب منّا : إن الأخذ بما خالف العامّة على ما وافقهم إنما يصار إليه في حالة ما إذا لم يكن هناك إمكانيّة للجمع الدلالي إمّا بالتخصيص أو بالتقييد أو بالحمل على الاستحباب ، أمّا مع هذه الإمكانيّة فلا تصل النوبة إليه ؛ وذلك لأنّ المعيار في الجمع العرفي في محلّ كلامنا هو : حاصل ونتيجة هذين اللسانين ، ومن الواضح بأنّ حاصل هذين اللسانين يفيد بأن اللسان المثبت ظاهر في ثبوت الوجوب فيما زاد على التسعة ، واللسان
هامش
( 1 ) لاحظ : المصدر السابق ، نفسه المعطيات .
( 2 ) لاحظ : الحدائق الناظرة : ج 12 ، ص 108 .