النافي صريح في نفي الوجوب على ما زاد على التسعة ، وهذا الأمر كافٍ في الحمل على الاستحباب ، سواء أكان التعبير في اللسانين بنحو الجملة الإنشائيّة أو الخبريّة .
وبعبارة ثانية : هذا من قبيل الموارد التي يكون فيها للحكم مراتب تختلف من الشدّة إلى الضعف ، فتأتي روايات تثبت المرتبة الأعلى ، وروايات نافية لهذه المرتبة ، فالعرف لا يرى بأساً في حمل النهي على التنزيه أو الاستحباب ، وما نحن فيه من هذا القبيل ؛ فإن المرتبة الأعلى من الزكاة وهي ثبوتها في أكثر من تسعة تكون مرتبة استحبابيّة ، وهو جمع عرفي أعمله الفقهاء في كثير من الأبواب الفقهيّة ، هذا حاصل ما أفاد ( رحمه الله ) .
قال في مصباح الفقيه : « والحاصل : أنّه إذا أمكن الجمع بين الدليلين المتنافيين في الظاهر ، بجعل أحدهما قرينة على ارتكاب التأويل في الآخر بشهادة العرف ، وجَب الجمع بينهما بذلك ، فإنّه مهما أمكن أوَلى من الطرح ، ولا يجوز الاعتناء باحتمال التقيّة أو مظنّتها ، لمخالفتها للأصل » « 1 » .
ورغم أن أصل هذا الإشكال ومرتكزه سليم ، إلّا أنّه قُرّر في محلّه من البحث الأصولي أن الحمل على التقيّة يرتكز على مبنيين :
الأوّل : هو موارد الأخبار العلاجيّة ، وهذا ما بنى عليه الفقيه الهمداني إشكالاته .
والثاني : كونه أحد وجوه الجمع الدلالي العرفي ، لكنه جمع دلالي في طول وجوه التقييد والتخصيص والاستحباب ؛ وذلك لأن إرادة المقيّد من المطلق أو الخاصّ من العامّ هو نهج عقلائي نوعي ، بخلاف إرادة التقيّة التي هي عناية خاصّة وشخصيّة لظروف الإمام ( سلام الله عليه ) ، فتكون أشدّ مخالفة ، فلابدّ
هامش
( 1 ) مصباح الفقيه : ج 13 ، ص 105 .