بعبارة أخرى : إنّهم فهموا النقاط المركزيّة من وجود الإنسان فوضعوا له نظريّات تُناسب ما فهموه وساروا على ذلك البرنامج ، ومن جملة فقرات برامجهم : العامل الاقتصاديّ .
والسؤال المطروح هنا هو : إنّ حقيقة الإنسان - بحسب النظريّة القرآنيّة الإسلاميّة - هل هي قائمة بالوجود الماديّ أم أنّها قائمة بوجودٍ آخر - وراء ذلك الوجود الماديّ - هو المُمثِّل الحقيقي للإنسان ؟
هنا يجيب القرآن الكريم عن ذلك بقوله تعالى : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ( المؤمنون : 14 ) ، وقوله تعالى : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ( الحجر : 29 ، ص : 72 ) .
إذن : معرفة الإنسان لابدّ أن تنطلق من فهم هذا البُعد الروحي والحقيقي الكامن وراء الجسد ، وتتحقّق هذه المعرفة بواسطة علم النفس الذي هو أعمّ من كونه علم نفسٍ فلسفيّ أو تجريبيّ .
ومن الواضح : أنّ معرفة النفس لا تتحقّق إلّا بمعرفة الوجود ، ومعرفة الوجود لا تتحقّق إلّا بمعرفة خالق الوجود .
من هنا يرى السيّد الشهيد الصدر ( رحمه الله ) : أنّ الاقتصاد الإسلامي هو جزء من كلّ ، أي أنّ البُعد الاقتصاديّ لا يمكن فصله عن الأبعاد الأخرى العقائديّة والسياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتربويّة والنفسيّة « 1 » .
وبذلك يمكن أن نستكشف القصور الذي يقع فيه الكثير منّا ، فعندما يتعرّض البعض إلى مسألة شرعيّة في المكاسب - مثلًا - نراه يقول هذا حرام وذاك حلال ومن دون النظر في الأبعاد الأخرى المترتّبة على البعد الشرعي ، كالبعد الاقتصاديّ والاجتماعي ، وغير ذلك بحسب نوع المسألة وما تستلزمه .
هامش
( 1 ) اقتصادنا ، للسيّد الشهيد محمّد باقر الصدر : ص 308 .