الوجه الثالث : وهو المشهور بين الأعلام قديماً وحديثاً ، ومفاده هو تطبيق قاعدة حمل الظاهر على النصّ ؛ فإنّ الروايات المجوّزة هي نصّ في الجواز ؛ لما ورد فيها « فإنّه لك حلال » ، وأمّا الناهية فلها ظهور في الحرمة ؛ فإذا ما تعارض النصّ مع الظاهر فإنّ الثابت - أصولياً - هو تقديم النصّ على الظاهر فتكون النتيجة هي أنّ أخذ الأجرة عن عسيب الفحل جائز على كراهة ؛ ودليل الجواز هو الطائفة الثانية ، ودليل الكراهة هو الطائفة الأولى ، وكم لهذا المورد من نظير في الروايات ، كما لا يخفى .
وهنا نجد شيخ الطائفة ( رحمه الله ) يقول : « إجارة الفحل للضراب مكروه وليس بمحظور . . . فأمّا كراهية ما قلناه فعليه إجماع الفرقة وأخبارهم » « 1 » .
وقد ذكر هذا المعنى - حمل النهي على الكراهة - السيّد الخوئي ( رحمه الله ) قائلًا : « فمقتضى الجمع بينهما هو حمل الطائفة الأولى المانعة على الكراهة . . . » « 2 » .
ومن الواضح أنّ المراد من الكراهة هنا ليست الكراهة العُرفيّة وإنّما الكراهة الاصطلاحيّة وهي المبغوضيّة عند الشارع المُقدّس ، ولكن ليست
هامش
- فالبيع - مثلًا - حرام شرعاً في ظهر الجمعة ، ولكنّ المعاملة صحيحة باتّفاق معظم الفقهاء ، والآن : لو رجعنا إلى الروايات الناهية ، فإنّنا نجد النهي أقرب إلى نفس المعاملة منه إلى الثمن والأجرة ، بل إنّ سَوقها إلى الثمن والأجرة يحتاج إلى كلفة ومؤونة ، ولعلّ هذا الوجه هو ما عناه السيّد الخوئي ( رحمه الله ) في قوله : « على أنّ النهي عن بيع عسيب الفحل في النبوي لا يُوجب حرمة المعاملة وضعاً بل التكسّب به حرام تكليفاً » . ( مصباح الأُصول : ج 1 ص 109 ) ؛ ومن الواضح أنّ التكسّب هو عنوانٌ عامّ وله طُرق عديدة ؛ منها : البيع والصلح والهبة والمزارعة والمضاربة و . . . وكلّ هذه الأمور هي معاملات ، كما هو واضح ؛ وعليه فإذا صحّ ما ذكرناه ، فإنّ هذا الوجه يكون تامّاً ولا غبار عليه .
( 1 ) الخلاف ، للشيخ الطوسي : ج 3 ص 166 ، ضمن مسألة : 269 .
( 2 ) مصباح الفقاهة ، السيّد الخوئي : ج 1 ص 109 .