2 . الشهرة والإجماع
الدليل الثاني : نفس الشهرة والإجماع اللذين تعرّضنا لهما في المستوى الأوّل .
ومن الواضح : أنّ مرجع ذلك هو إلى ما يتبنّاه الفقيه في مسألة حجيّة الشهرة ، وأيضاً فيما يتعلّق بالإجماع ، فإن ثبت كونه محتمل المدرك والإسناد فلا حُجيّة له فضلًا عمّا إذا كان مقطوع الاستناد أو مطمأنّاً إليه .
فإن لم يكن الأعلام قد استندوا إلى الأدلّة الموجودة عندنا ، فلا أقلّ من كوننا نحتمل احتمالًا معتدّاً به من أنّهم إنّما قالوا بعدم الجواز ؛ فذلك لأجل سببين هما :
الأوّل : النجاسة ، حيث صرّحوا بها وذكروا في أبواب متعدّدة أنّه يُشترط في المبيع الطهارة .
الثاني : عدم وجود منفعة محلّلة فيه في تلك الأزمنة ؛ حيث كانت منافعه آنذاك منحصرة بالشرب - وهي عادة كانت في زمان الجاهليّة - وقد حرّم الإسلام ذلك لكونه نجساً .
وعلى أيّة حال ، فإنّ عبارة العلامة الحلّي ، في نهاية الإحكام ، واضحةٌ في كون هذا الإجماع مستنداً إلى هذين السببين ، كما جاء ذلك في كتاب البيع حيث يقول : « بيع الدم وشراؤه حرام إجماعاً ، لنجاسته ، وعدم الانتفاع به » « 1 » .
إذا عرفت ذلك ، فاعلم : أننّا وفق ما تقدّم في الأبحاث السابقة قد عرفنا أنّ النجاسة لا تكون مانعة عن التكسّب ، وأمّا بخصوص الانتفاع والذي به تتحقّق الصغرى « 2 » فإنّها مسألة تختلف من زمان إلى آخر ، ومن مكان إلى آخر .
هامش
( 1 ) نهاية الأحكام ج 2 ص 463 .
( 2 ) ممّا لا شك فيه : تحقّق الصغرى في عصورنا هذه حيث توفّر المنافع العقلائيّة المحلّلة بل والضرورية ، وبذلك يصحّ التكسّب بالدم في دائرة تلك المنافع الجديدة والتي منها إنقاذ المرضى ودخوله في تحديد النتائج المختبريّة والتحليلات الوقائيّة والعلاجيّة وغير ذلك .
ومن الواضح أنّ معظم هذه المنافع - إن لم يكن كلّها - لا تتوقّف على مسألة الأكل والشرب العرفيين ، وهذا ممّا يضعّف إشكاليّة النجاسة التي يكون عدمها شرطاً في جوازهما . ( منه دام ظلّه ) .