تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فقهية — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
وعلى أيّة حال ، فإنّ هنالك جملة من الأعلام قد أدخل عنصرَي الزمان والمكان في تعيين موضوع الحكم ، فالغناء - مثلًا - تدخّل عنصر الزمان في تحديد موضوعه ، حيث كان آنذاك هو الغناء الفاحش المعروف عند أهل الفسق ، وكذلك موضوع المُثلة التي هي حرام ولو بالكلب العقور - كما جاء صريحاً في الحديث الشريف « 1 » - فإنّها قد تَدخَّل عنصر الزمان في تحديد دائرتها فالتشريح - ظاهراً - متضمّن للمثلة ؛ إذ هو يقوم بعمليّة تشريح الجسد ولكن لأغراض عقلائيّة لم تكن موجودة في زمن النصّ ، وقد أفتى الكثير من الأعلام بجواز عمليّة التشريح لِمَا فيها من فوائد طبيّة وقانونيّة ، بعد أن كانوا يفتون بالحرمة ، وبطبيعة الحال فإنّ الذين أجازوا عمليّة التشريح يرون أنّ المثلة آنذاك إنّما هي محرّمة لأنّها تحصل بداعي التشفّي ، بخلاف ما هو عليه الآن في عمليات التشريح ، وهذا يعني أنّ الموضوع قد تغيّر أو أنّ دائرته قد حُدّدت وقيّدت . وهذا كلّه إنّما حصل ببركة عُنصرَي الزمان والمكان ، ولا فرق بين تغيّر موضوع الحكم في المُثلة والغناء وبين تغيّر موضوع الحكم في النجاسة التي استحالت إلى رماد فصارت طاهرة ، غاية ما في الأمر أنّ التغيّر في الاستحالة هو تغيّر من الداخل ، وفي حقيقة الشيء ، وأمّا في المُثلة والغناء وما شابه ذلك ، فإنّه تغيّر من الخارج ، وذلك بفعل الشرائط المستجدّة بواسطة عنصري الزمان والمكان ، وسواء تغيّر الموضوع بواسطة داخليّة أو خارجيّة ، فإنّ أثر ذلك هو تغيّر الأحكام ؛ فثبوت الأحكام فرع ثبوت موضوعاتها وقيودها . فإن قيل : بأنّ ذلك يتنافى كليّاً مع قول الإمام الصادق ( ع ) : « حلال محمّد
هامش
( 1 ) عن أمير المؤمنين علي ( ع ) في وصيّته للحسن ( ع ) : « ألا لا يقتلنّ بي إلّا قاتلي ، انظروا إذا أنا متُّ من هذه الضربة فاضربوه ضربةً بضربة ، ولا يمثَّل بالرجل ، فإنّي سمعت رسول الله ( ص ) يقول : إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور . . . » . وسائل الشيعة : ج 29 ص 128 ح 6 .
رسائل فقهية — صفحة 249 | السيد كمال الحيدري