وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ . . . ( المائدة : 3 ) .
وقبل الدخول فيما استفاده البعض من كلمة : فَاجْتَنِبُوهُ ، ينبغي التذكير بأنواع الحرمة ، والتي فصّلنا فيها في أبحاث سابقة « 1 » ، من أنّ الحرمة إمّا تكليفيّة أو وضعيّة ، وأنّ هناك حرمة أخرى وهي التشريعيّة ، لسنا بصددها .
وقد اتّضح هنالك أنّ الحرمة الوضعيّة تعني عدم صحّة المعاملة ، وأمّا الحرمة التكليفيّة فإنّها تعني أنّ نفس إجراء المعاملة يكون إثماً ، وأنَّ القدر المتيقّن من الحرمة المبحوث عنها في هذا الباب هي الحُرمة الوضعيّة وبطلان المعاملة ، وهذا واضح ؛ وإنّما الكلام في الحرمة التكليفيّة ، كما سيأتي .
وعوداً على بدء حيث قوله تعالى : فَاجْتَنِبُوهُ ، وحيث السؤال الذي ينبغي طرحه هنا وهو :
إنّ هذا الاجتناب هل هو خاصّ بالشرب أم يشمل البيع والشراء أيضاً ؟
بعبارة أخرى : إنَّ إجراء المعاملة والشراء هل يكون مخالفاً للاجتناب ؟
ذهب جملة من علماء الفريقين إلى أنّ الاجتناب عامّ يشمل الشرب وغيره ، ومن الذين صرّحوا بذلك : المحقّق الأردبيلي ( رحمه الله ) حيث يقول : « وفي الآية دلالة على تحريم تعاطي هذه الأشياء المذكورة في الخمر بالشرب . . . وفي هذه الآية دلالة على تحريم سائر التصرُّفات في الخمر من الشرب والبيع والشراء والاستعمال على جميع الوجوه ، ولا دلالة فيها على نجاسة الخمر » « 2 » .
فإذا تمّ الإطلاق فإنّه سوف تكون جميع الانتفاعات - ولو كان بعضها عقلائياً - حراماً ، فقوله تعالى : فَاجْتَنِبُوهُ فيه إطلاق فيدخل موضوع التكسّب ، وعندئذٍ يكون التكسّب حراماً ؛ لأنّه داخل في الإطلاق الذي يعني
هامش
( 1 ) راجع : كلّيات فقه المكاسب : الفائدة الرابعة من أبحاث المدخل .
( 2 ) زبدة البيان في أحكام القرآن ، المقدّس الأردبيلي : ص 41 - 42 .