تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فقهية — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
بيان آخر : إنّه مكروه ، ثمّ قال : إنّه حرام ، بدون تشديد ، ثمّ شدّد في الحرمة ! حيث قال تعالى : فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ . والظاهر أنّهم يريدون من خلال ذلك تصحيح ما نُقل عن الخليفة الثاني ، مع أنَّ ما نُقل عنه وهو منطبع في أذهانهم ، مجرّد توهّمات لا حظّ لها من الموضوعيّة ، فالقرآن يقول صريحاً : فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ( المائدة : 91 ) ؛ وهذا يعني أنّ النهي كان في السابق ، ثمّ جاء التهديد بصورة أكبر ، وممّا يؤيدّ ذلك ما روي عن الإمام الرضا ( ع ) عندما سأله المأمون عن ذلك ، فأجابه بأنّه من أوّل يوم حُرّم الخمر ، فحرمة الخمر لم تكن مختصّة بالإسلام ، وما يُروى في كتب الشرائع السماويّة السابقة ، من عدم المنع ، لا يخرج عن التحريف . وعلى أيّة حال ، فإنّ التدريج لا يمكن قبوله بتلك الصورة المتقدّمة . نعم ، يمكن قبوله بصورة أخرى وهي التدريج في إظهار كيفيّة الحرمة ، أي : في كيفيّة إبراز الحرمة ، ففي البدء - مثلًا - كان بعنوان عامّ ، وفي الأخير كان بنصّ صريح ، فإنّ مثل هذا التدريج يمكن قبوله ، وهو معقول . وهنا يرى الجزيريأنّ آية الخمر والميسر فيها عشرة شواهد على التحريم ، فقد نظَّمت الخمر في سلك الميسر والأنصاب ، وسمّته رجساً ، وعدّته من عمل الشياطين ، وأمرت باجتنابه ، وعلّقت الفلاح بالاجتناب ، وجعلت إرادة الشيطان في إيقاع العداوة بها ، وإرادة إيقاع البغضاء بها ، وإرادة الصدّ عن ذكر الله ، وإرادة الصدّ عن الصلاة ، ثمّ النهي البليغ بصورة الاستفهام حيث قالت : فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ، وهو مؤذن بالتهديد « 1 » . هذا ما أردنا إيجازه في البعد الثاني ، لننتقل إلى بحثنا الأساسي في البعد الثالث .
هامش
( 1 ) انظر : الفقه على المذاهب الأربعة ومذهب أهل البيت ( عليهم السلام ) : ج 2 ص 23 .