ولا شكّ أنّ البُعد الأوّل يندرج ضمن أبحاث باب الطهارة ؛ كما أنَّ البُعد الثاني يندرج ضمن أبحاث باب الأطعمة والأشربة ؛ وأمّا البُعد الثالث فهو محلّ كلامنا وبحثنا .
والذي يظهر لنا من كلمات الأعلام أنّه لا كلام في عدم جواز بيع الخمر والتكسّب به ، وإنّما الكلام في الأدلّة على ذلك ؛ أي : أنَّ الكلام ليس في نتيجة البحث المعلومة ، وإنّما في الطريق إليها .
وقبل الدخول في أدلّة المنع ، ينبغي الوقوف عند حدِّ الخمر وحقيقته ، ولكي يتّضح المقصود منه ، وتتميم الفائدة سنقف أيضاً - ولو بصورة موجزة - عند البعد الثاني ثمّ نعود إلى أصل البحث .
حقيقة الخمر
قدَّم علماء اللغة إجابات تتعلّق بالمعنى العامّ للخمر ، أي : ما خامر العقل ، لاالخمر الاصطلاحي الذي له أحكام خاصّة ، من قبيل الطهارة والنجاسة ؛ فالخمر عندهم ، هو : ما يُخرج الإنسان عن الوضع الذي صار منشأً للتكليف .
قال الراغب في مفرداته : « أصل الخمر : ستر الشيء ، ويقال لما يُستر به : خمار . . . والخمر سميّت لكونها خامرة لمقرّ العقل ، وهو عند بعض الناس : اسمٌ لكلّ مُسكر ؛ وعند بعضهم : اسمٌ للمتّخذ من العنب والتمر ؛ لما روي عنه ( ص ) : الخمر من هاتين الشجرتين النخلة والعِنَبة » « 1 » ؛ وقال صاحب المصباح المنير : « هي : اسمٌ لكلّ مُسكرٍ خامر العقل ، أي : غطّاه » « 2 » .
ومن الواضح أنّه بعد الفراغ عن ثبوت حجّية قول اللغوي ، يثبت عندنا أنّ الخمر يكون هو ذلك المعنى العامّ للخمر ، أي : كلّ مسكر وكلّ ما خامر
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن ، للعلّامة الراغب الأصفهاني : ص 298 كتاب الخاء .
( 2 ) المصباح المنير ، أحمد المقري الفيومي : ج 1 ص 248 .