أمّا البحث الأوّل : فالسياق لغةً - كما ينصّ بعض علماء اللغة - هو : حَدْوُ الشَّيء ، يقال : سَاقَه يَسُوقُه سَوْقاً ، والسَّيِّقَة : ما اسْتِيق من الدوابّ . ويقال سُقْتُ إلى امرأتي صَدَاقها ، وأسَقْتُه ، والسُّوق مشتقّةٌ من هذا ، لما يُساق إليها من كلَّ شيء ، والجمع أسواق ، والسَّاق للإِنسان وغيره ، والجمع سُوق ، إنّما سمّيت بذلك لأنَّ الماشي ينْساق عليها . . . والمصدر السَّوَق « 1 » .
أمّا اصطلاحاً فيتّفق عموم الباحثين في الدراسات المنهجيّة والتفسيريّة على عدم وجود تعريف محدّد للسياق يمكن ملاحظته وبيانه . نعم ، هناك تأكيد على أهمّيته وجدواه وفائدته ، دون تحديد معالمه بالحدّ أو الرسم ، لكن الذي نميل إليه - ولو من باب المقاربة - هو أن السياق يعني : الإطار العامّ الذي يهدف المتحدّث إيصاله إلى المستمع بمفردات وجُمل متتابعة ومتراتبة ؛ بحيث إن خروج المتحدّث عن هذا الإطار يتجلّى بوضوح لدى مستمع كلامه .
ولا شكّ بأن ما يفيده هذا الإطار العامّ - شريطة اجتماع أركانه ومقوّماته المذكورة في محلّها - هو حجّة على السامع إذا كان المتكلّم ممن يجب طاعته كما في محلّ كلامنا ، وفي هذا الضوء فإنّ السياق القرآني الذي تكشف عنه الآيات الكريمة هو حجّة لا يمكن تخطّيه إلَّا بقرينة دالة على العكس .
ولم يحظَ بحث السياق بأهمّيّة خاصّة عند الأصولين ؛ إذ لم يُفرد له عنوان خاصّ ، بل جاء في سياق أبحاث المنطوق والمفهوم والأوامر والنواهي ونحوها من أبحاث ؛ وهو نحو اهتمام أبرزه المتأخّرون منهم ؛ والمختار عندنا هو : أنّ السياق يعدّ من المسائل المهمّة التي يجب على الفقيه بالمعنى المصطلح عندنا أن يوليه اهتماماً خاصّاً كي يفهم نصوص المشرّع كما هي .
هامش
( 1 ) لاحظ : معجم مقاييس اللغة ، ابن فارس : ج 3 ، ص 117 .