هذا ابن سنان ، لقد همّ أن يطير غير مرّة ، فقصصناه حتّى ثبت معنا « 1 » .
نلاحظ : أنّ اتّهام أمثال هؤلاء الرواة بوصف الغلوّ ليس بعزيز في تلك المرحلة الزمنيّة ؛ فإنّ عدم انسجام رواياتهم مع المذاق العامّ والأفق الذي كان سائداً حينها يؤدّي إلى هذه النتيجة ، وقد لحظنا ذلك في محمّد بن الفضيل وفي جابر بن يزيد الجعفي وغيرهم من الثقات ؛ وأنّ ملاحظة رواياته وتفحّصها يوصل الباحث إلى اطمئنان يقارب الجزم بأنّ رواياته هي في حدّ المعقول الذي وصل إليه البحث العقائدي المعاصر . نعم ؛ حيث إنّه كان من خواصّ أصحاب الأئمّة ( عليهم السلام ) ، وكانوا يطلعونه على أسرارهم وغرائب أمورهم ، فلا شكّ بأن عدم تحمّل أفق تلك المرحلة لهذه الأمور يفضي إلى الطعن والتكذيب والرمي بالغلوّ في أحسن الأحوال .
أضف إلى ما تقدّم فإن رواية بعض القمّيين عنه - والمعروفين بتشدّدهم في الموضوع العقدي - ينفي هذا الاحتمال ، نظير أحمد بن محمّد بن عيسى ومحمّد بن الحسن بن الوليد ومحمّد بن علي بن بابويه .
أمّا مسألة الوجادة « 2 » فمستندها ما نقله الكشي عن حمدويه بن نصير ، من أن أيوب بن نوح دفع إليه دفتراً فيه أحاديث محمّد بن سنان ، فقال لهم : إن شئتم أن تكتبوا ذلك فأفعلوا ؛ فإني كتبت عن محمّد بن سنان ، ولكن لا أروي لكم أنا عنه شيئاً ؛ فإنّه قال قبل موته : كلّ ما حدثتكم به لم يكن لي سماع ولا رواية ، وإنما وجدته « 3 » .
هامش
( 1 ) اختيار معرفة الرجال ، المعروف برجال الكشّي ، الطوسي : ص 505 .
( 2 ) الوجادة في مصطلح علم الحديث تعني : أخذ الحديث من صحيفة من غير سماع ولا مناولة ولا إجازة ، وتعدّ أحد طُرق تحمّل الحديث ، وقد وقع الكلام في جواز الاعتماد عليها في البحوث الرجاليّة فلاحظ .
( 3 ) المصدر السابق : ص 504 .