ذلك جميع العلوم الدينيّة الأخرى ، أعني العقيدة والأخلاق ، حتّى وصل تعريف الفقه لديهم ب - : العلم بالأحكام الشرعيّة عن أدلّتها التفصيليّة ، ويريدون من الأحكام الشرعيّة الأحكام المرتبطة بأفعال المكلّفين الخارجيّة ، وبذلك تخرج جميع الأحكام الجوانحيّة القلبيّة الاعتقاديّة والأخلاقيّة ، وترتّب على هذا الأمر الكثير من النتائج التي قد توصف بعضها بالخطيرة ، من قبيل : أن المرجع الديني الذي أوصى الأئمّة ( عليهم السلام ) بالرجوع إليه هو عالم الحلال والحرام فقط ، وأن الأعلميّة - الشرط المرجّح عند الاختلاف - هي الأعلميّة في الفقه بمعناه المصطلح ، بل لا يحتاج المجتهد إلّا لعلم أصول الفقه وعلم الرجال ؛ قال السيّد الخوئي في التنقيح : « العمدة فيما يتوقّف عليه الاجتهاد بعد معرفة اللغة العربيّة وقواعدها علمان :
أحدهما : علم الأصول ، ومساس الحاجة إليه في الاجتهاد ممّا لا يكاد يخفى ؛ لأنّ الأحكام الشرعيّة ليست من الأمور الضروريّة التي لا يحتاج إثباتها إلى دليل ، وإنما هي أمور نظريّة يتوقّف على الدليل والبرهان ، والمتكفّل لأدلّة الأحكام وبراهينها من الحجّج والأمارات وغيرهما ممّا يؤدّي إلى معرفة الأحكام الشرعيّة علم الأصول . . . .
وثانيهما : علم الرجال ؛ وذلك لأنّ جملة من الأحكام الشرعيّة وإن كانت تستفاد من الكتاب إلّا أنّه أقل قليل ، وغالبها يستفاد من الأخبار المأثورة عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وعلى ذلك إن قلنا بأن الأخبار المدوَّنة في الكتب الأربعة مقطوعة الصدور أو أنّها ممّا نطمئّن بصدورها - لأنّ الأصحاب عملوا على طبقها ولم يناقشوا في إسنادها ، وهذا يفيد الاطمئنان بالصدور - فقد استرحنا من علم الرجال ؛ لعدم مساس الحاجة إلى معرفة أحوال الرواة ؛ فإن اللازم حينئذٍ مراجعة أن الروايّة هل هي معمول بها عندهم ، لتكون حجّة أم أنّها مُعرَضٌ عنها لتسقط عن الاعتبار ؟ ومعه لا تمسّ الحاجة إلى علم الرجال إلّا
رسائل فقهية — صفحة 162
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص١٦٢