تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل فقهية — صفحة 16

مساهمون:

ص١٦
ممارسة تستلزم الدخول العملي لإتقان خصوصياتها وقوانينها . لكن ما تقدّم من تأسيس لا يعني إغفالًا للبعد النظريّ في عمليّة الاستنباط ، بل إن العمليّة الاستنباطيّة لأيّ حكم فقهي تتقوّم ببعدين : ( بعد نظريّ ) وهو : التسلّح بمجموعة من الأدوات النظريّة التي تحتاجها هذه العمليّة ، وهي بطبيعة الحال أوسع مداراً من علم الأصول المتعارف ، وستتّضح طبيعة هذا البُعد لاحقاً . و ( بعد عملي ) وهو : الممارسة الاستنباطيّة عملًا وتطبيقاً ؛ لأنّها فنّ وصنعة لابدّ أن يمارسها الممتهن لها لكي يصحّ إطلاق اسم المستنبط عليه . أمّا من يريد الدخول لاستنباط حكم شرعي من غير هذين البعدين فلا يمكن أن يُكتب له النجاح في مبتغاه ، بل يبقى - مع طول مدة اشتغاله في الجانب النظريّ - غير قادر على ممارسة هذه العمليّة . وقد يسأل سائل : عن السرّ الذي جعلنا نقيّد هذه الأبعاد بكونها مختصّة بعمليّة الاستنباط الفقهي ، فهل يعدّ هذا القيد احترازياً أم توضيحياً ؟ والجواب : إنَّ لكل علم من العلوم مفاتيحه الخاصّة به ، فهناك ( مفاتيح فلسفيّة ) و ( مفاتيح عرفانيّة ) و ( مفاتيح كلاميّة ) و ( مفاتيح تفسيريّة ) وهكذا بقيّة العلوم . . . وهذا يؤكّد احترازيّة هذا القيد المضاف ؛ حيث إن هذه المفاتيح هي لاستنباط الحكم الشرعي فقط . والأمر أعلاه يكشف عن بطلان التوهّم الحاصل في أذهان بعض المتعلّمين ؛ حيث تصوّروا بأن الوقوف على علم أصول الفقه بعناوينه المتعارفة كافٍ في إتقان مفاتيح جميع العلوم الأخرى ؛ استناداً إلى مصادرة غير مبرهنة مفادها : إنَّ الاجتهاد في هذا العلم يؤهّل صاحبه إلى الاجتهاد في العلوم الأخرى ؛ بداهة أن هذا التصوّر غير تامّ ؛ إذ لكلّ علم من العلوم مفاتيحه الخاصة به . نعم ، هناك أبواب مشتركة في الظاهر بين جميع هذه المفاتيح ، إلّا أن