عند منصرفه من صفّين ، يوصيه فيها :
« ولا يكوننّ أخوك أقوى على قطيعتك منك على صلته » « 1 » ،
وقد علّق الشيخ محمّد عبده على ذلك بقوله : « مراده : إذا أتى أخوك بأسباب القطيعة فقابلها بموجبات الصلة حتّى تغلبه ، ولا يصحّ أن يكون أقدر على ما يوجب القطيعة منك على ما يوجب الصلة ، وهذا أبلغ قولٍ في لزوم حفظ الصداقة » « 2 » .
وكلّ ما تقدّم من نصوصٍ في حقيقة الصداقة وحدودها ورسومها وآثارها فإنّها - كما تقدّم - آكد مطلوبيّة ، وأعظم حضوراً ، فلا يتّخذ أحدنا خليلًا إلّا بعد التأنّي الشديد والتروّي ، فإنّ الخلّة تعني شيئاً من التوحّد في الشخصيّة ، وفيها مقدارٌ كبيرٌ من التفاني ، فيرى الخليل في خليله مرآةً تحكيه ، وقلباً يؤويه ، ووقاءً يحميه ، فانظر من يكون خليلك ؛ ولذلك ينبّهنا رسول الله ( ص ) مرّةً أخرى حول أثر الصداقة والخلّة ، حيث يقول :
« المرء على دين خليله وقرينه » « 3 » .
وقد ورد هذا المعنى من حيث سريان الأثر ، في القرآن الكريم ؛ وذلك في قوله تعالى : يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( الفرقان : 28 ) .
هويّة المحبوب والرفيق والصديق والخليل
مرّت بنا بياناتٌ عدّةٌ في هويّة المحبّة والرفقة والصداقة والخلّة ، وهذا منعكسٌ تماماً على شخصيّة المحبوب والرفيق والصديق والخليل ، وبالتالي فإنّه من شخصيّة كلّ واحدٍ تتّضح معالم شخصيّة المحبّ والمرافق والمصادق ، فمن أقصر حبّه على شيءٍ ما كان موضعه هو موضع محبوبه ، وهكذا في الرفقة
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، خطب الإمام عليّ ( عليه السلام ) : ج 3 ، ص 54 ، الرقم : ( 31 ) .
( 2 ) المصدر السابق .
( 3 ) الأصول من الكافي ، للشيخ الكلينيّ : ج 2 ، ص 642 ، ح 10 .