ضرورة الاعتدال في المحبّة والرفقة والصداقة والخلّة
وهذا الأمر في غاية الأهمّيّة ، فإنّ الإفراط والتفريط منبوذان عقلًا ونقلًا ، وعقلائيّاً ، فهنالك من يحبّ حتّى يجنّ في محبوبه ، فيرى كلّ ما يفعله المحبوب الخطّاء صحيحاً ، وهنالك من يبغض فلا يرى عملًا صالحاً في بغيضه ، وكلا الأمرين غير صالحين ، فلابدّ من التوازن والاقتصاد في الحبّ والرفقة والصداقة والخلّة ، وقد وردت عن أمير المؤمنين عليٍّ ( عليه السلام ) كلمةٌ عظيمةٌ في هذا المراد ، يقول فيها :
« أحبب حبيبك هوناً ما ، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك هوناً ما ، عسى أن يكون حبيبك يوماً ما » « 1 » .
والهون هو الرفق والسهل والسكينة ، والمراد هو أن أحببه حبّاً مقتصداً ، فلا إفراط في حبّه ، وأبغضه بغضاً مقتصداً ، فلا تبالغ في حبّه إلى درجةٍ لا تبقي من نفسك لنفسك شيئاً ، فتكون أسيره وذليله فيما لو اختلفتما ، كما لا تبالغ في بغضه إلى درجةٍ تقطع الصلة بينكما فلا تكون رجعةٌ ، فعسى أن تحتاجه يوماً ، وعلى حدّ تعبير أمير المؤمنين عليٍّ ( عليه السلام ) :
« إيّاك أن تحرج صديقك إحراجاً يخرجه عن مودّتك ، واستبق له من أنسك موضعاً يثق بالرجوع إليه » « 2 » .
إذن عليك بالوسطيّة في ذلك ،
« إذا أحببت فلا تكثر » « 3 » ؛ و « إن استنمت إلى ودودك فأحرز له من أمرك ، واستبق له من سرّك ما لعلّك أن تندم عليه وقتاً ما » « 4 » .
فهل نمنعه من سرّنا بشكلٍ كاملٍ ، وأيّ سرٍّ نُطلعه عليه إن جاز لنا ذلك ؟
كما قلنا : لا إفراط ولا تفريط ، فلا نمنعه فيكون كالغريب ، ولا نجعله
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ، خطب الإمام عليّ ( عليه السلام ) : ج 4 ، ص 64 ، ح 268 .
( 2 ) غرر الحكم ، كلمات الإمام عليّ ( عليه السلام ) ؛ جمع عبد الواحد الآمديّ : الرقم ( 2687 ) .
( 3 ) المصدر السابق : الرقم ( 3979 ) .
( 4 ) المصدر السابق : الرقم ( 3721 ) .