المشروط بالفهم والتدبّر ، وهنالك مرتبةٌ عاليةٌ مشروطةٌ بالفهم والتدبّر ، وهي مرتبة الإنصات ، وهي المرتبة التي تهدف إلى الوصول إلى الرحمة الإلهيّة ، فالاستماع الفارغ من التدبّر والفهم قد يتحقّق والمستمع لاهٍ عن مضامين القرآن ، فيحرم من فيض القرآن ومعطياته ، ولكن الإنصات المصحوب بالتدبّر والتفكّر يجعلك مستودعاً للأسرار القرآنيّة الإلهيّة ، وهذه هي الرحمة .
ثمّ إنّ الإنصات للقرآن يفضي إلى حالةٍ من التأثّر والاستجابة ، وفي ذلك إشارةٌ قرآنيّةٌ لطيفةٌ في قوله تعالى : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( المائدة : 83 ) .
ولا ريب أنّ المطلوب الحقيقيّ منّا - كوظيفةٍ أخلاقيّةٍ تجاه القرآن - هو الاستماع والإنصات له معاً ، فالآية صريحةٌ بالأمرين معاً ، ولكنّها ذكرت الإنصات - المتوقّف على الاستماع - بعد الاستماع لبيان عدم كفاية الإنصات ، فلو تحقّق الإنصات فذلك دليلٌ على تحقّق الاستماع أيضاً ؛ لما عرفت من كون الإنصات متوقّفاً على الاستماع ، ولعلّ هنالك نكتةً عميقةً جدّاً تفصل بين الاستماع والإنصات ، وهي أنّ الاستماع : هو التوجّه الذهنيّ إلى ألفاظ الكلمات ، والإنصات : هو التوجّه الذهنيّ لمعانيها ، فأرادت الآية أن تقول : لا يكفي سماع الألفاظ وإنّما لابدّ من التوجّه لمعانيها ، كما أنّ التوجّه للمعاني هو الآخر لا يكفي في الأخلاق القرآنيّة بدون الاهتمام بصوت اللفظ ، فاللفظ ومعناه مطلوبان معاً ، فيكون مفاد الآية : استمعوا لألفاظه ، وتوجّهوا لمعانيه بالتفكّر والتدبّر فيه .
ثالثاً : أخلاقيّات الحفظ
وأمّا حفظ القرآن الكريم فهو من فضائل أخلاقيّاتنا تجاه القرآن ، وقد كان الإمام الصادق ( عليه السلام ) يحثّ أصحابه على ذلك كثيراً ، فيقول لهم :
« القرآن القرآن ، إنّ الآية من القرآن والسورة لتجيء يوم القيامة حتّى تصعد ألف درجةٍ