تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 180

مساهمون:

ص١٨٠
إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ( إبراهيم : 1 ) ، فهذا القرآن كتابٌ أوحيناه إليك - يا محمّد - لتخرج به البشر من الضلال والغيّ إلى الهدى والنور بإذن ربّهم وتوفيقه إيّاهم إلى الإسلام ، الذي هو طريق الله الغالب المحمود في كلّ حالٍ . ثانياً : أن يكون المرجع الحقّ الأوّل للإنسان في كلّ زمانٍ ومكانٍ ، لأنّ فيه بيان كلّ شيءٍ وتفصيل كلّ شيءٍ ؛ قال تعالى : . . . وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ . . . ( النحل : 89 ) ، وقال تعالى : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( يوسف : 111 ) . ثالثاً : ليكون الإنسان إنساناً ، فيخرج من دائرة النقص والقصور إلى دائرة الكمال والتمام ؛ نظراً لما جاء به من أرفع مطالب التوحيد والمعارف الإلهيّة ، وجميع الآيات الآنفة تدلّل على ذلك . وأمّا أهدافه الاجتماعيّة فإنّها لا تخرج إجمالًا عن بناء الإنسان علميّاً ومعنويّاً ، باعتباره نواةً في تكوين المجتمع ، وقد عبّر عن هذا البناء بثلاثة أمورٍ ، وهي : التزكية ، وتعليم الكتاب ، وبيان الحكمة ؛ قال تعالى : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( الجمعة : 2 ) ؛ فالتزكية والتطهير وتعلّم الحكمة تحتاج إلى مصدرٍ إلهيٍّ معصومٍ كاملٍ لا يأتيه الباطل أبداً ، وهذا هو القرآن . ولو نظرنا إلى الآية لوجدناها تعبّر عن المجتمع العربيّ آنذاك بالأمّيّ ، والأمّيّ لا نظام له في حياته ؛ لأنّ حياته قائمةٌ على أساس الجهل في كلّ شيءٍ « 1 » ، ومنها حياته الاجتماعيّة ، فجاء القرآن بالنظام العامّ ، ومنه النظام
هامش
( 1 ) من الملامح البارزة للأُميّة عدم القراءة والكتابة ، ولكّنها في المقام تعني ما هو أشمل من ذلك ، فأُميّة المجتمع القرشي آنذاك تعني أنّه لم يكن محكوماً لنظامٍ اجتماعيٍّ واضح ، وإنّما كان الحاكم فيهم روح العصبيّة القبليّة ، وسلطة الأقوى ، وامتهان الإنسان الضعيف عموماً والمرأة خصوصاً ، وغير ذلك من الأُميّة الاجتماعية ، ولا ريب أنّ هذه الأٌميّة المنبوذة هي غير الأُميّة الشخصية التي كان عليها النبيّ محمّد ( ص ) ، فأُميّته لم تُشكّل له نقصاً في كمالاته ، بل هي في الرؤية العرفانية تعني خلوّه من نقص الحاجة التي كان عليها الآخرون ، وأنّها تعني أصالته ومرجعيّته لمن سواه في الكمالات المعرفيّة والمعنويّة ، وهذا المعنى مُنسجم مع المعنى اللغوي المُفسِّر لكلمة ( الأُمّي ) بالانتساب إلى الأُمّ والمرجع والأصل ، فهو المرجع المعرفيّ والمعنويّ ، ولهذه الأُميّة التي لا تشكّل نقصاً معانٍ إيجابية أُخرى تعرّض لها الأعلام .