تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
عامّةٍ تخصّ الإنسان ، سواءٌ كان غنيّاً أو فقيراً ، وسواءٌ كان متكبّراً أو متواضعاً ، وسواءٌ كان آكلًا من الحرام أو لم يكن كذلك ، وغير ذلك ممّا فهمناه من الروايات الآنفة . أمّا هذه الحالة العامّة فإنّها تتلخّص في كون الإنسان غالباً ما يأنس بالمادّيّات ، ولهذه المادّيّات أولويّاتٌ في حياته ، حيث يتقدّمها الطعام والشراب والنكاح ، فكان لابدّ من دورةٍ تهذيبيّةٍ لهذا الاندفاع باتّجاه المادّيّات ؛ فكان الصوم أقصر الطرق لذلك ، حيث المنع التامّ خلال أوقات القوّة التي يتوجّه فيها الإنسان إلى المادّيّات ، وهو وقت النهار ، حيث الحركة الدؤوبة والعمل المتواصل والرغبة الأكيدة بالأطعمة والأشربة ، بخلاف ما عليه الحال في الليل المائل للراحة والسكينة والتأمّل ، وهذا الأمر ليس مختصّاً بالصوم الواجب ، حيث يشمل الواجب وغيره . إذن هنالك هدفٌ عامٌّ نحتاجه في كلّ عامٍ ، نعيد من خلاله قراءتنا للشهور الماضية ، أو إعادة قراءتنا للأيّام السابقة للصوم مطلقاً ، وهذا الهدف لا يخلو منه إنسانٌ فيكون مطلوباً للكلّ . وممّا يتفرّع على هذا الهدف العامّ ما يضفيه الصوم من فرصةٍ عظيمةٍ لتغذية وتنمية القوى الروحيّة ، فالجوع والعطش والامتناع عن مطلق الملذّات - أو الاقتصار على القليل منها - يجعل الإنسان في حلٍّ وعتقٍ من عبوديّتها ، وقد ورد في الخبر عن رسول الله ( ص ) : « حسب ابن آدم لُقيماتٌ يُقمن صلبه . . . » « 1 » ، فإنّ الإنسان - كما أشار بعض الحكماء - لم يُخلق ليأكل ، أو لم يعش ليأكل ، وإنّما يأكل ليعيش « 2 » ، فيكفيه ما يسدّ به رمقه ، فإذا التزم بذلك أشرقت
هامش
( 1 ) عدّة الداعي ، لابن فهد الحلّي : ص 74 . ( 2 ) ينسب ذلك إلى الحكيم الإلهيّ سقراط .