تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
إلّا أنّ هذا الصوم عن الكلام ارتضاه الإسلام ، بل طلبه وحثّ عليه ، ولكن ليس على إطلاقه ، وإنّما الصوم عن كلّ كلامٍ فيه فحشٌ أو أذًى ، والأفضل من ذلك الصوم عن الهذر واللغو مطلقاً ، حتّى وإن كان مباحاً ، وقد ورد في الخبر عن جرّاحٍ المدائنيّ عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : « إنّ الصيام ليس من الطعام والشراب وحده » ، ثمّ قال : « قالت مريم : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً ؛ أي : صوماً صمتاً ، فإذا صمتم فاحفظوا ألسنتكم وغضّوا أبصاركم ولا تنازعوا ولا تحاسدوا » ، قال : « وسمع رسول الله ( ص ) امرأةً تسبّ جاريةً لها وهي صائمةٌ ، فدعا رسول الله ( ص ) بطعامٍ ، فقال لها : كلي . فقالت : إنّي صائمةٌ . فقال : كيف تكونين صائمةً وقد سبّيت جاريتك ، إنّ الصوم ليس من الطعام والشراب » « 1 » . ولا ريب أنّ من أهداف الصوم صيانة النفس من الحرام مطلقاً ، ومنه حفظ اللسان من التفوّه بالحرام أو باللغو وبكلّ ما لا طائل منه ، وحفظ السمع من كلمات الباطل ؛ فإذا ما تعوّدتَ الصمت ورأى الآخرون منك ذلك ، جنّبتَ نفسك سماع الباطل فضلًا عن النطق به ، وقد مرّ بنا في بحثٍ سابقٍ ما للصمت من أهمّيّةٍ في السير والسلوك ، بل هو ذكرٌ باطنيٌّ يقوّي فيك إرادة مخالفة النفس في حبّ الظهور أو حبّ التعبير عن النفس وإظهار مناقبها .

ثالثاً : العلاقة بين العفّة وروحانيّة الصوم

يستفاد من روايات أهل البيت ( عليهم السلام ) أنّ العفّة هي منع البطن والفرج عن المحرّمات والشبهات ، وبحسب حديث جنود العقل والجهل يقع في قبال العفّة التهتّك ، ومنه عدم المبالاة بهتك حرمة الله تعالى بارتكاب المحرّمات ،
هامش
( 1 ) الفروع من الكافي ، للشيخ الكلينيّ : ج 4 ، ص 87 ، ح 3 .