روحه وفاضت عليها من المعرفة والأسرار ما لم يكن بالحسبان .
إنّ من أسرار الصوم - للملتفتين - أن يستبدل الصائم بلذّة الطعام والشراب لذّة الجوع والعطش ، وبلذّة الحلّ لذّة المنع ، ولعلّ هذا ما يفسّر لنا ما كان عليه رسول الله ( ص ) من كثرة الصوم ، فكان إذا أصبح ولم يجد طعاماً - وهو الغالب - نوى صيامه « 1 » ، وكأنّ الأصل عنده هو الصيام ؛ ولعلّه لذلك يُفَضّل لطالب العلم أن يكون أقرب للجوع والعطش منه إلى الامتلاء ، فإنّ الشبع والامتلاء يذهبان بالفطنة ، كما أنّ في الصوم تحقيق الطاعة في ترك كلّ ما يميل إليه الإنسان من ملذّات الدنيا ، فيتركها تعظيماً وطاعةً واستجابةً لله تعالى . وأخيراً فإنّ من أسرار الصوم التزوّد بالقوّة المواجهة للأضرار المعنويّة التي لحقت بالنفس جرّاء أيّام الشبع السالفة ، وكأنّ في الصوم نوع مقابلةٍ لأيّام الشبع المتخلّلة في الأيّام السالفة ؛ ولذلك يُفَضّل بل يُستحبّ الإكثار من الصيام للتوقّي من تلك الآثار ، ولتحقيق نوعٍ من الاعتدال في القوّة الشهويّة في كلّ شيءٍ ، فلا تكون القوى الشهويّة حاكمةً وصاحبها مستجيباً لها ، وإنّما مصانةً من الإفراط والتفريط .
ثانياً : معنى الصوم عن الكلام
ورد في قصّة مريم قوله تعالى : فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً ( مريم : 26 ) ، والظاهر في الصوم عن الكلام لمكان التفريع في ( فلن ) ، والظاهر من السياق أنّ صوم الصمت كان مسنوناً في بني إسرائيل ، إمّا لعامّة الناس أو للخاصّة منهم .
هامش
( 1 ) انظر : شرح الأزهار ، للإمام أحمد المرتضى ج 2 ، ص 10 .