تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
وقيل بأنّ العفّة هي اعتدال القوّة الشهويّة في كلّ شيءٍ ، فلا يقع في إفراطٍ ولا في تفريطٍ . ومنه يتّضح الوجه الأوّل للعلاقة بين العفّة والصوم ، فالصوم طريقٌ للعفّة ، والعفّة حصنٌ واقٍ للصوم من الوقوع في الحرام أو الزلل ، وهذا ما يفسّر لنا سرّ توجيه الشريعة للشابّ المؤمن غير المتزوّج إلى ركوب سفينة الصوم وقايةً له من الزلل ؛ لأنّ الصوم طريقٌ رحبٌ لتحقيق العفّة ؛ وفي العفّة حفظٌ للنفس من ظلمات الخطايا ، وقد ورد في الخبر عن رسول الله ( ص ) قوله : « يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوّج ؛ فإنّه أغضّ للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنّه له وجاءٌ » « 1 » ؛ والباءة : هي الجماع ، والوجاء : قطع الشهوة ، فيكون الصوم طريقاً لقطع الشهوة أو تهذيبها . ومنه يتّضح الوجه الثاني للعلاقة بين العفّة والصوم ، حيث الكينونة في روحانيّةٍ خالصةٍ يوفّرها الصوم ، فللصوم روحانيّةٌ تمنح صاحبها عفّةً في بطنه وفرجه ولسانه ، وهذه الروحانيّة المحقّقة للعفّة طريقٌ مهيعٌ نحو كمالاتٍ أخرى ترتقي بالنفس نحو مراتب رفيعةٍ في السير والسلوك ؛ ولذلك تبقى الحاجة للصوم ما بقيت الحاجة لتحصيل الكمال ، فالصائم بروحانيّة صومه يجد امتناعاً شديداً ونفرةً كبيرةً عن الموبقات ، فمن وقع في بعضٍ منها وهو صائمٌ فالمشكلة تأتيه من فقدان تلك الروحانيّة ، وهذه الروحانيّة تُشعره بجدوائيّة الصوم ، فيكون الصائم صائماً مفهوماً ومصداقاً ، فيناله من الصوم روحانيّةٌ فريدةٌ ، فلا يقتصر أمره على الجوع والعطش « 2 » .
هامش
( 1 ) صحيح مسلم ، مسلم النيسابوريّ : ج 4 ، ص 128 . ( 2 ) قال أمير المؤمنين عليٌّ ( عليه السلام ) : « كم من صائمٍ ليس له من صيامه إلّا الظمأ ، وكم من قائمٍ ليس له من قيامه إلّا السهر والعناء ، حبّذا نوم الأكياس وإفطارهم » . ( نهج البلاغة ، خطب الإمام عليّ ( عليه السلام ) : ج 4 ، ص 35 ، الرقم : 145 ؛ تحقيق وتعليق الشيخ محمّد عبده ) .
روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 155 | السيد كمال الحيدري