وينبغي أن يُعلم أنّ الصحّة والبطلان يتوقّفان على المعنى الأوّل لإقامة الصلاة لا غير ، وأمّا قبولها أو عدم قبولها فيتوقّفان على المعنى الثاني لإقامة الصلاة .
علاقة إقامة الصلاة في صناعة الإنسان
أوّلًا : إنّ العلاقة وثيقةٌ جدّاً ، فصناعة الإنسان - ونقصد بها بطانة الإنسان وليس شكله وبدنه - مربوطةٌ بالعلاقة بصانع الإنسان وخالقه ، وليس هنالك وسيلةٌ عباديّةٌ أعظم وأقرب للعبد يستعين بها من الصلاة ، كما تقدّم في قوله تعالى : وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ( البقرة : 45 ) ؛ فنحن نتلو يوميّاً سبع عشرة مرّةً في صلواتنا قوله تعالى : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( الفاتحة : 5 ) ، والله تعالى هنا يدلّنا بشكلٍ صريحٍ كيف نستعين به ، حيث يقول استعينوا بالصبر والصلاة ، ثمّ يصف الاستعانة بالصلاة بأنّها أمرٌ كبيرٌ إلّا على الخاشعين ، وبالتالي فإنّ الاستعانة بالصلاة الخاشعة تجعلنا قريبين من صانع الإنسان ، وبقدر قربنا منه تعالى نستمدّ من كمالاته في بناء بطانتنا وإعمار قلوبنا .
ثانياً : إنّ الصلاة الخاشعة الموصوفة بالإقامة لا بالأداء لها وظيفةٌ وضعيّةٌ تكوينيّةٌ ، وهي تحصين المصلّي من الفحشاء والمنكر ، قال تعالى : اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ( العنكبوت : 45 ) ، فصرف السوء والفحشاء والمنكر تارةً يكون بإرادةٍ ربّانيّةٍ خالصةٍ ، وهذا أمرٌ غير متاحٍ للكلّ ، بل هو لخاصّة الأنبياء ، كما في قصّة نبيّ الله يوسف ( عليه السلام ) ؛ قال تعالى : . . . لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ( يوسف : 24 ) ؛ وهنالك صرفٌ للسوء والفحشاء والمنكر بإرادةٍ منّا وتوفيقٍ من الله تعالى ، وهو بواسطة إقامة