تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
جديداً ، وهو أنّنا أثبتنا أنّ عليّاً إنسانٌ وليس شيئاً آخر . وعليه فإذا أقمنا الصلاة من دون خشوعٍ وخضوعٍ وانكسارٍ وإقرارٍ تامٍّ بالعبوديّة لله تعالى ، وبدون حضور قلبٍ وتوجّهٍ والتفاتٍ فإنّنا لم نحقّق شيئاً جديداً على الحالة السابقة على الصلاة ، فيكون ما أتينا به أشبه بالحمل الأوّليّ ، ويكون الحاضر عندنا مجرّد صورة الصلاة ومفهومها ، والحاضر في الصلاة مجرّد كلماتٍ وحركاتٍ وسكناتٍ ، فتكون كلّ متعلّقاتنا حاضرةً إلّا الصلاة فهي غائبةٌ عنّا ، أو نحن غائبون عنها ، أي : يكون كلّ شيءٍ حاضراً مصداقه عندنا بالحمل الشائع إلّا الصلاة فإنّها حاضرةٌ عندنا بالحمل الأوّليّ . ومثل هذه الحال تكون أشبه بحال السكارى الذين نُهوا عن إتيان الصلاة ، وهم على هذا الحال في قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ . . . ( النساء : 43 ) ؛ فمن باب الجري والتطبيق يكون المقصود بالسكارى في المقام هم الذين يصلّون وقلوبهم لاهيةٌ ، وعقولهم سارحةٌ ، وشهواتهم حاضرةٌ في الصلاة . وأمّا إذا أقمنا الصلاة بانبعاثٍ حقيقيٍّ للروح ودخولٍ فعليٍّ إلى عالم الصلاة ، فإنّنا نكون قد حقّقنا شيئاً جديداً على الحالة السابقة على الصلاة ، فيكون ما أتينا به أشبه بما حقّقناه في الحمل الشائع الصناعيّ . وأمّا بالنسبة للفرق بين أداء الصلاة وقيام الصلاة ، فإنّ إقامة الصلاة بالمعنى البسيط - أو ما أطلقنا عليه بالحمل الأوّليّ - مجرّد أداءٍ للصلاة ، وأمّا إذا أقمنا الصلاة بالمعنى الثاني - الذي أسميناه بالحمل الشائع الصناعيّ - فإنّها إقامة الصلاة حقّاً ، فالمعنى الأوّل للقيام هو الأداء ، والمعنى الثاني للقيام هو المعنى الحقيقيّ لإقامة الصلاة ، وحيث إنّ المعنى الثاني ليس يسيراً فقد عبّر عنه تعالى بأنّ إقامتها كبيرةٌ إلّا على الخاشعين .