تخطي إلى المحتوى الرئيسي

روحانية العبادات (دروس في الأخلاق التعليمية والواقعية) — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
فيها إنّما هو بلحاظنا نحن المحفوفين بقيود الزمان والمكان ، فكان التقييد لرفع الشتات عنّا وقصر باعنا من سعة الإطلاق ، وأمّا بالنسبة للمعبود الواحد الأحد فإنّه لا صباح له ولا مساء ، ولا جهة تحدّه ، كما حكى عن نفسه سبحانه في قوله تعالى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 115 ) ؛ والمشرق والمغرب شاملٌ للأزمنة والأمكنة معاً ، وهما ليسا مفردين ، ففي كلّ آنٍ هنالك مشرقٌ ومغربٌ ، كما في كلّ خطٍّ مستقيمٍ قبلةٌ ما ؛ قال تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ( المعارج : 40 ) ؛ وإنّما الصلاة المعراجيّة إطلاقيّةٌ لا يحدّها زمانٌ ومكانٌ ، ولو عمّ وجودنا الخشوع لصرنا في معراجٍ مطلقٍ ، ولصار الوقت والجهة عندنا قطرتان في بحر إطلاقه ، فاحفظ ذلك وتدبّر .

النيّة

للنيّة ذاتٌ وجوديّةٌ وعوارض لازمةٌ لابدّ منها ، أمّا ذاتها وذاتيّاتها فتكمن في أمرٍ واحدٍ لا غير ، وهو قصد القربة من الله تعالى ، وأمّا عوارضها اللازمة فأمران ، الأوّل عنوان الفعل المؤتى به ، من قبيل عنوان الصبح أو الظهر في الصلاة ، والثاني : تحديد وجه الفعل ، من وجوبٍ أو استحبابٍ ، فالنيّة ليست وقتاً ولا جهةً البتّة ، وإنّما هي قصد القربة منه سبحانه ، فمن اشتغل بالعنوان وجهته دون القربة ما جاء بالنيّة ، وكان فعله عوارض زائلةٌ ، ومن كان التفاته إلى قصد القرب منه سبحانه فقد جاء بالنيّة ، ومنه تفهم سرّ عدم اشتراط التلفّظ بالعنوان والجهة ؛ لأنّهما مجرّد عوارض وليسا من ذاتيّات النيّة ، ومنه تعلم أيضاً سرّ بطلان العبادة بوقوع الرياء ؛ لأنّ الرياء عملٌ منافٍ لذات النيّة فتنتفي به .