القسم الأوّل : القضاء المحتوم الذي لا يطّلع عليه أحدٌ من خلقه
وهذا القضاء من العلم المخزون المكنون الذي استأثره الله تعالى لنفسه .
ومن الواضح أنّ هذا القسم من القضاء الإلهي لا يقع فيه البداء ؛ إذ إنّه لم يظهر لأحد حتّى يتحقّق فيه البداء ، لأنّ البداء - كما تقدّم - هو الظهور للمخلوقين على خلاف ما علموه ، كذلك يستحيل أن يقع البداء في هذا القسم بالنسبة لله تعالى ؛ لأنّه تعالى عالم بجميع الأشياء منذ الأزل ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، وهو العالم بتحقّق الأسباب أو عدم تحقّقها .
نعم ، هذا القسم من القضاء يكون منشأً للبداء - كما تقدّم - لا أنّه يقع فيه البداء . فمثلًا : قضى الله تعالى لزيد أن يعيش عشرين سنة ، وعِلمَ النبيّ أو الإمام بذلك ، إلّا أنّ زيداً وصل رحمه أو فعل من أفعال البرّ ما اقتضى زيادة في عمره ، فزاد الله تعالى له عمره إلى ثلاثين سنة . ففي هذا المثال تقديران : أحدهما : تقدير معلوم للنبيّ أو الإمام ، وهو عمر زيد عشرين سنة ، وفي هذا العلم قد يقع البداء ، وتقدير آخر : وهو معلوم لله تعالى فقط ، وهو أنّ زيداً قد يقوم بأيّ عمل من أعمال البرّ ، ويكون سبباً في زيادة عمره ، وهذا العلم الثاني لا يطاله التغيّر والتبدّل ، وإنّما يكون منه التغيّر والتبدّل ، وهو منشأ حصول البداء .
وتدلّ على ذلك نصوص عديدة ، منها :
عن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال :
« إنّ لله علمين : علمٌ مكنون مخزون لا يعلمه إلّا هو ، من ذلك يكون البداء . وعلمٌ علّمه ملائكته ورسله وأنبياءه ، ونحن نعلمه » « 1 »
.
هامش
( 1 ) بصائر الدرجات الكبرى ، مصدر سابق : ج 1 ص 230 ، باب في الأئمّة أنّه صار إليهم جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والمرسلين ، الحديث : 433 ، و : ج 1 ص 148 ، الحديث : 16 . .