آل عمران : 179 ، والآية واضحة الدلالة على أنّ بعض عباده يطلعهم الله على الغيب . وفي التعبير بالاجتباء إشارة إلى أنّ الوقوف على أسرار الغيب منصبٌ جليل تتقاصر عنه الهمم ولا يؤتيه الله إلّا لمن اصطفاه من عباده .
وقال تعالى : عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ الجن : 26 ، 27 . قال القرطبي : « لمّا تمدّح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه ، كان فيه دليل على أنّه لا يعلم الغيب أحدٌ سواه ، ثمّ استثنى مَن ارتضاه من الرُّسل ، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم ، وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوّتهم » « 1 » .
من هنا ذكر القرآن الكريم عدداً من الموارد التي أخبر فيها الأنبياء وغيرهم عن الموارد المستقبليّة .
قال تعالى : غُلِبَتْ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ الروم : 2 - 4 .
اتّفقت كلمة المفسّرين على أنّ هذه الآيات نزلت في أعقاب الحرب التي دارت بين الروم والفرس ، وهما الدولتان اللتان كانتا تسيطران على العالم القديم ، وكانتا تتنازعان السيادة على بلاد الشام وغيرها ، حيث أخبرت عن أمر غيبيّ يقع في المستقبل القريب .
وقال تعالى : لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً الفتح : 27 ، فقد أخبر رسول الله صلى الله عليه وآله المسلمين بأنّهم سوف يفتحون مكّة في المستقبل وقد وقع ذلك فعلًا ، ومن
هامش
( 1 ) الجامع لأحكام القرآن ، لأبي عبد الله محمّد بن أحمد الأنصاري القرطبي ، المتوفّى 671 ه - ، دار إحياء التراث العربي ، بيروت ، 1967 : ج 19 ، ص 28 . .