عالم بكلّ شيء ومحيط بكلّ شيء ولا يشذّ عن علمه شيء من الأشياء ، فلا يقع شيء خارج عن علمه ، فعلى هذا فلا معنى لأن يكون شيء من الأشياء غيباً بالنسبة إليه تعالى ، فكلّ ما هو موجود فهو داخل في دائرة إحاطته وإن فرض أنّ ذلك الشيء غيب بالنسبة إلى غيره .
من هنا قد يُقال : إذن ما معنى إطلاق القرآن عليه تعالى بأنّه « عالم الغيب » وأنّه تعالى : عَلَّامُ الْغُيُوبِ سبأ : 48 ؟ والجواب : إنّ ذلك ليس وصفاً بحال نفس الموصوف ، بل هو وصف بحال متعلّق الموصوف ، بمعنى أنّ شيئاً ما إذا كان غيباً بالنسبة إلى بعض مخلوقاته وغير مشهود له ، فهو معلوم له تعالى بنحو الشهادة والحضور .
2 . الجمع بين الآيات النافية لعلم الغيب لغير الله والآيات المثبتة
دلّت مجموعة من الآيات على انحصار علم الغيب بالله تعالى ؛ منها :
قوله تعالى : قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا الله النمل : 65 .
وقوله : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ الأنعام : 59 .
وقوله سبحانه : فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لله يونس : 20 .
فهذه الآيات ظاهرة في أنّ علم الغيب منحصر به تعالى ؛ قال الرازي : « إنّ قوله : وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ يفيد الحصر ، أي عنده لا عند غيره » « 1 » .
في مقابل هذه النصوص هناك نصوص قرآنية أخرى أثبتت أنّ بعض
عباده مستثنى من ذلك :
قال تعالى : مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ
هامش
( 1 ) التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب ، مصدر سابق : ج 13 ص 10 . .