الذاتي ، إذ لا يملك من نفسه أيّ شيء ، إلّا أنّ ذلك لا ينافي أن يفيض الله تعالى عليه من نعمه ومنها العلم بالغيب ، لذا جاء في ذيل الآية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ الأنعام : 50 ، وكذلك في قوله تعالى : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ النساء : 163 .
المعالجة الثانية : الموجبة الكلّية والموجبة الجزئيّة
إنّ الآيات الدالّة على انحصار العلم بالغيب بالله تعالى ، إنّما ترمي الإشارة إلى أمر بالغ الأهمّية على صعيد المعارف التوحيديّة ، وهو استحالة اطلاع غير الله تعالى من المخلوقات على علم الغيب بشكل مطلق وشامل لكلّ موارده . إذ لا يمكن لأيٍّ من الموجودات الإمكانيّة مهما بلغت درجة وسعة كمالها الوجودي - ولو كان الصادر الأوّل - أن يطّلع على العلم الإلهي في مقام الذات الذي لا حدّ ولا نهاية له « 1 » ؛ لعدم قابليّة إحاطة المتناهي باللامتناهي .
وفي ضوء ذلك فالآيات القرآنيّة الدالّة على انحصار علم الغيب بالله تعالى تشير إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ علم الغيب بنحو مطلق وشامل لكلّ موارد علم الغيب - بما فيها العلم بالذات الإلهيّة - منحصر به سبحانه ، ولا يمكن لأيّ موجود آخر الاطّلاع على كلّ موارد العلم بالغيب ، وهذا لا ينافي إفاضته تعالى بعض علومه الغيبيّة لعباده الصالحين لمصلحة وحكمة تقتضي ذلك .
وبلغة الاصطلاح المنطقي : إنّ الآيات التي تثبت انحصار علم الغيب بالله تعالى إنّما تثبت ذلك بنحو الموجبة الكلّية ، وأنّه لا أحد له علمٌ بذلك ، وهذا الحصر لا ينتقض بما ذكره القرآن لبعض عباده ؛ لأنّه علم بنحو الموجبة الجزئيّة .
هامش
( 1 ) ينظر التوحيد ، بحوث في مراتبه ومعطياته ، تقريراً لدروس السيّد كمال الحيدري ، بقلم : جواد علي كسّار ، دار فراقد ، الطبعة الخامسة : 1427 ه - : ج 1 ، ص 218 . .