أنّ كثيرين منّا ، وفي أحيان ربّما مستدامة ، مَن تجاوز هذه المعايير وهذا الفهم الحواري ، وحينها تضيع الحكمة القرآنيّة التي ينبغي في ضوئها أنّ تؤسَّس حواراتنا ومناظراتنا . ومن مجمل الآيات القرآنيّة الكثيرة التي ترسي دعائم الحوار المثمر ، يمكن أن نقف عند الآيتين الكريمتين التاليتين :
الآية الأولى : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ ( النحل : 125 ) .
الآية الثانية : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ( سبأ : 24 ) .
من المؤكَّد أنّ الدخول في تفاصيل هاتين الآيتين يحتاج إلى فرصةٍ أوسع من مجرَّد هذه الإشارة المقتضبة ، ولكن هذا لا يعفينا عن تناول بعض النقاط المهمّة التي تدعو لهما هاتان الآيتان الشريفتان ، وأنا أضع تلك النقاط بالنحو التالي :
النقطة الأولى : أنّ الآية الأولى عدّت مسألة الدعوة ليست مجرّد أمر مباح فقط وإنّما أمرت به وجعلته واجباً على الإنسان المسلم ، أي أنّ قضيّة الحوار في سبيل قضايا الإسلام ليست مجرّد حقّ للمسلم إن شاء قام به وإن شاء تركه ، وإنّما هو واجبٌ ، عليه أن يضطلع به ويتحمّل أعباء القيام به ، كما أنّها ترشدنا إلى مسألة أخرى وهي أنّ الدعوة السلميّة تشكّل الخيار الأوّل للإنسان المسلم ، وليس العنف أو استخدام وسائل الترهيب والإكراه وحمل السلاح والاقتتال ، وليس كذلك الموقف الانعزالي الذي لا يكترث للآخرين .
ولا شكّ أنّ ( سبيل الربّ ) الذي يُفترض بالمسلم الدعوة إليه ليس سبيلًا واحداً يتّفق عليه المسلمون جميعاً دون خلاف بل هو متعدّد بحسب كلّ فرقةٍ أو مذهب إسلامي يرى في نفسه أنّه سائر على هذا السبيل ، وهو ما نعتقده نحن أيضاً في أنّ سبيل الربّ إنّما هو سبيل أهل البيت ( عليهم السلام ) وما دعوا إليه أو
حديث الثقلين (سندا ودلالة) — صفحة 60
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٦٠