رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلْ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ( الحجّ : 67 ) ، إلّا أنّ القرآن الكريم عاد في هذه المرّة ومعه استراتيجيّة أكثر انفتاحاً وأوسع مرونةً حين قال : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( سبأ : 24 - 25 ) .
إنّ رسول الله ( ص ) كان يخاطب المشركين من العرب في قوله هذا ؛ وذلك بقرينة الآيات السابقة على هاتين الآيتين : قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ( سبأ : 22 - 23 ) ، وهذا يوضّح لنا أنّه ( ص ) لم يكن ليتخلّى عن الالتزام بآداب الحوار ( وهو صاحب الخلق العظيم بنصّ القرآن الكريم ) القاضي ببدء الطرفين بالتسليم سلفاً باحتمال أن يكون كلّ واحد منهما على خطأ .
يعلّق السيّد محمّد حسين الطباطبائي في هذا الموضع وهو يفسّر هذه الآية الكريمة قائلًا : « إنّها جاءت تتمة قول النبيّ ( ص ) [ الذي ورد في الآيتين السابقتين ] وهذا القول بعد إلقاء الحجّة القاطعة ووضوح الحقّ في مسألة الألوهيّة مبنيّ على سلوك طريق الإنصاف ، ومفاده : أنّ كلَّ قول إمّا هدى أو ضلال ، لا ثالث لهما نفياً أو إثباتاً ، ونحن وأنتم على قولين مختلفين لا يجتمعان ، فإمّا أن نكون على هدى وأنتم في ضلال ، وإمّا أن تكونوا أنتم على هدى ونحن في ضلال ، فانظروا بعين الإنصاف إلى ما ألقي إليكم وميّزوا المهديَّ من الضالّ ، والمحقَّ من المبطل « 1 » .
الجدير بالذكر أنّ الآية محلّ البحث استخدَمت أسلوبَ اللفّ والنشر
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 16 ص 374 .