وقال تعالى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ولكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ( المائدة : 6 ) ، ومن الواضح أنّ المسح بالتراب لا يحقّق الطهارة الظاهريّة بل قد يسبّب عكس ذلك ، فلابدّ أن يكون المراد من الطهارة هنا المعنويّة الباطنيّة .
وقال تعالى : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ( التوبة : 103 ) ، فالتعلّق بالأموال رجسٌ تطهّره الصدقة ، وإلّا فأيّ قذارة ورجاسة يحملها المال ليحتاج إلى التطهير والتزكية ؟ ! بل الرجاسة في التعلّق به وحبّه حبّاً تنجذب إليه النفس وتنصرف نحوه ، كما قال تعالى : وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً ( الفجر : 20 ) ، ولهذا كانت الصدقة سبباً لطهارة النفس والقلب من هذا النوع من التعلّق الذي هو من مراتب الرجس ، كما يشير إليه أيضاً قوله تعالى : فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وأَطْهَرُ ( المجادلة : 12 ) .
وحيث كان الضلال رجساً ، كما تلونا ذلك في قوله تعالى : ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِى السَّمَاءِ ( الأنعام : 125 ) ، فلابدّ أن يكون المقابل للضلال طهارة ، نتيجة للضدّيّة الموجودة بين الرجس والطهارة ، والمقابل للضلال هو الحقّ ؛ قال تعالى : فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا الضَّلَالُ ( يونس : 32 ) ، فكلّ حقّ طهارة ، وكلّ ضلال رجس « 1 » .
ومن هنا نجد الله سبحانه يصف ذاته العليّة بأنّه : الحقّ ؛ قال عزّ اسمه : ويَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ( النور : 25 ) ، ويصف دينه ب - الحقّ ؛ قال سبحانه : هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى ودِينِ الْحَقّ ( الصفّ : 9 ) ، ووعده بالحقّ ؛ قال سبحانه : واقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ ( الأنبياء : 97 ) ، وقال تعالى : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ ( غافر : 55 ) . وهكذا نرى القرآن الكريم يصف
هامش
( 1 ) ينظر : السباق إلى العقول ، للدكتور قادري الأهدل : ج 2 ص 59 .