من التسليم المحض لله سبحانه حتّى بلغ مرتبة الاصطفاء في الدنيا ، كما قال تعالى : ولَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِى الدُّنْيَا وإِنَّهُ فِى الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( البقرة : 130 - 131 ) .
وإلّا فهل يمكن أن يكون الإسلام هو بتشهّد الشهادتين فحسب ، وهو ما يحصل قبل الإيمان ، كما قال سبحانه : قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ولَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِى قُلُوبِكُمْ ( الحجرات : 14 ) ؟ !
قال الفخر الرازي في تفسيره : أي : اصطفيناه في الوقت الذي قال له ربّه أسلم ، فكأنّه تعالى ذكر الاصطفاء ، ثمّ عقّبه بذكر سبب الاصطفاء ، فكأنّه لمّا أسلم نفسه لعبادة الله تعالى ، وخضع لها وانقاد ، علم تعالى من حاله أنّه لا يتغيّر على الأوقات ، وأنّه مستمرّ على هذه الطريقة ، وهو مع ذلك مطهَّر من كلّ الذنوب ، فعند ذلك اختاره للرسالة ، واختصّه بها ، لأنّه تعالى لا يختار للرسالة إلّا مَن هذا حاله في البدء والعاقبة . . . « 1 » .
واستمراراً لهذا الإسلام والاستسلام يأتي دعاء إبراهيم ( ع ) عند بناء البيت ، كما حكاه الله تعالى عنه وعن ابنه إسماعيل : رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ( البقرة : 128 ) .
وهذا هو الاستسلام ، والانقياد والخضوع التامّ والرضا . قال الرازي أيضاً : أي : نكون مسلِمَيْنِ لك لا لغيرك ، وهذا يدلّ على أنّ كمال سعادة العبد في أن يكون مسلماً لأحكام الله تعالى وقضائه وقدره ، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه « 2 » .
وهذا ما تجده في عباد الله المخلَصين ، وهم الذين بلغوا مرتبةً من
هامش
( 1 ) تفسير الرازي : ج 4 ص 79 .
( 2 ) تفسير الرازي : ج 4 ص 67 .