الذي يُبتعَد ويُتنزَّه عن الشيء بسببه ، لتنفّر الطبع عنه « 1 » ، وقال في موضع آخر : والرجس بالكسر فالسكون : صفة من الرجاسة وهي القذارة ، والقذارة هيئة في الشيء توجب التجنّب والتنفّر منها « 2 » .
ومن هنا فالرجس لا يختصّ بالأمور المادّيّة الظاهريّة ، بل يشمل حتّى الأمور المعنويّة الباطنيّة ، من الأعمال والأخلاق والسلوك والمَلَكات والعقائد الباطلة ، بل تعلّق القلب وتوجّه النفس بها أيضاً .
قال تعالى : إلّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ( الأنعام : 145 ) ، فقد أشارت هذه الآية المباركة إلى المرتبة المادّيّة الظاهريّة من الرجس والقذارة .
وقال تعالى : ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ في السَّمَاءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ( الأنعام : 125 ) ، هذه الآية المباركة جعلت الضلال ونتائجه من ضيق الصدر رجساً يجعله الله على الذين لا يؤمنون .
كما كان سبب الضلال عدم طهارة القلب ؛ لقوله تعالى : ومَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ( المائدة : 41 ) ، والرجس وعدم الطهارة بمعنى واحد ، كما لا يخفى .
هذه الآيات المباركة ونظائرها تشير إلى المرتبة الباطنيّة المعنويّة للرجس ، لأنّ الضلال ونتائجه وأسبابه أمور باطنيّة معنويّة ، وقال تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ ( الحجّ : 30 ) .
وواضح : أنّ الأوثان بنفسها لا رجس فيها ، وإنّما الرجس والقذارة في
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 6 ص 120 .
( 2 ) المصدر نفسه : ج 16 ص 312 .