أضف إلى ذلك أنّ كلّ معصية ضلال ؛ قال تعالى : أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِى هذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * ولَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً ( يس : 60 - 62 ) ، وواضح من الآية المباركة أنّها جعلت المعصية من إضلال الشيطان ، بعد ما كانت عبادة له ، والضلال من مراتب الشرك ، وإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( لقمان : 13 ) .
والأعمال جميعاً سواءً الصالح منها وغير الصالح ذات مراتب ودرجات ؛ قال تعالى : أَ فَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ ومَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ ( آل عمران : 162 ) ، وقال سبحانه : ولِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ( الأحقاف : 46 ) .
وهذه الآيات المباركة ونظائرها تثبت لنا أنّ للرجس مراتب متعدّدة متفاوتة ، مادّيّة ظاهريّة ، ومعنويّة باطنيّة ، يتّصف به المتلبّس بذلك العمل ، وأنّه يتعلّق بالاعتقادات الباطلة ، كما يتعلّق بالأخلاق والسلوك والملكات ، بل بتعلّق القلب وتوجّه النفس أيضاً .
وبحكم هذه الضدّيّة الواقعة بين الرجس والطهارة نجد المراتب نفسها ثابتة للطهارة أيضاً ، فهي تتعلّق بالأمور المادّيّة الظاهريّة ، كما تتّصف بها الأمور المعنويّة الباطنيّة ، قال تعالى : ويُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ ( الأنفال : 11 ) ، وواضح : أنّ هذه الطهارة المكتسبة منالماء هي الطهارة المادّيّة الظاهريّة ، وقال تعالى : وإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ( المائدة : 6 ) ، وهذه هي المرتبة الظاهريّة من الطهارة .
وقال تعالى : ولَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ( البقرة : 25 ) ، وقال سبحانه : في صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( عبس : 15 - 13 ) ، وهذا نوع آخر من الطهارة تشير إليه هذه الآيات المباركة ، غير تلك التي تحصل بالماء مثلًا ، وهذه من مراتب الطهارة الباطنيّة .
حديث الثقلين (سندا ودلالة) — صفحة 209
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٢٠٩