منافٍ لسيرة الأصحاب في التمسّك بالإطلاقات في مثل هذه الحالة .
وبيان ذلك : أنّ الثابت لدى الفقهاء إذا ما أحرزوا صدق عنوان من العناوين الفقهيّة على موضوع من المواضيع ، وشكّوا في جزئيّة أمر أو شرطيّته في ذلك العنوان ، فإنّهم يتمسّكون بعموم ذلك العنوان أو إطلاقه لنفي الجزء أو الشرط المشكوك ، وكمثال على ذلك : إذا قال المولى : « أكرم العالم » ، وشككنا في أنّ عموم « العالم » هل يشمل العالم الفاسق ، أم يختصّ بالعادل فقط ؟ ففي مثل هذه الحالة نتمسّك بعموم « العالم » لإثبات إكرام العالم الفاسق أيضاً .
ومن الواضح : أنّ عموم لفظ « العالم » لا يكون شاملًا للعادل والفاسق إلّا إذا قلنا : بأنّه موضوع للأعمّ من العادل والفاسق ، بمعنى : أنّ الفاسق يصدق عليه أنّه عالم ، وأثبتنا من الخارج : تحقّق موضوع العامّ ، وهو : أنّ كون هذا الفاسق عالماً ، فنتمسّك بهذا العموم ، ونثبت وجوب إكرامه .
أمّا إذا قلنا : بأنّ لفظ العالم لم يوضع للأعمّ ، بل وضع لخصوص العادل ، وأنّ الفاسق لا يصدق عليه عنوان العالم ، وشككنا بأنّ الشخص الفلاني هل هو عادل أم فاسق ؟ فلا يمكن في هذه الصورة أن نتمسّك بإطلاق « أكرم العالم » لإثبات وجوب إكرامه ؛ إذ إنّنا لم نحرز تحقّق الموضوع ، فقد يكون فاسقاً ، فلا يصدق عليه عنوان العالم .
وفي محلّ البحث : إذا قلنا بأنّ عنوان البيع وسائر المعاملات موضوعة لخصوص الصحيح المستجمع لجميع الأجزاء والشرائط الشرعيّة ، وشككنا في اشتراط العربيّة في صيغة البيع مثلًا ، أو عدم اشتراطها ، ففي مثل هذه الحالة لا يمكننا التمسّك بعموم وأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ لنفي الاشتراط ؛ لأنّنا لم نحرز تحقّق موضوع هذه الآية ، وهو البيع ؛ إذ بناءً على وضع البيع لخصوص الصحيح شرعاً ، قد تكون عربيّة الصيغة شرطاً من شروط البيع
بحوث في فقه عقد البيع — صفحة 418
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٤١٨