تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بحوث في فقه عقد البيع — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
عليه ؟ وللإجابة على هذا التساؤل عمد المصنِّف ( قدس سره ) إلى الإشارة إلى مطلب مهمّ ، وهو : أنّ الأمور المتحقّقة في الخارج على نحوين : الأوّل : ما يختلف تحقّقه باختلاف الأنظار ، فقد يكون بنظرٍ متحقّقاً ، وبنظرٍ آخر غير متحقّق ، كما في مثل : « الإكرام والإهانة » ، فإنّ هذين المفهومين ليس لهما حقيقة واحدة مسلّمة لا تختلف فيها الأنظار ، بل هما قد يختلفان من نظر إلى آخر ، فيكون فعلًا من الأفعال إكراماً بنظر شخصٍ ، وإهانة بنظر آخر . وكمثالٍ أدقّ نذكر ما ذكره المصنِّف ( قدس سره ) ، وهو مفهوما الإيجاب والوجوب ، كما في قول شخص لآخر : « أوجبتُ عليك شرب الماء » ؛ حيث إنّ العرف لا يعتبر تحقّق الوجوب إلّا إذا كان الموجِب أعلى منزلة من الموجَب عليه ، فإذا أمر الداني العالي وأوجب عليه شرب الماء ، فإنّ العرف لا يسمّي ذلك إيجاباً ، ولا يعتبر تحقّق الوجوب ؛ لعدم أهليّة الآمر له ، أمّا في نظر الآمر فإنّ الوجوب والإيجاب قد تحقّقا معاً . الثاني : ما لا يختلف تحقّقه باختلاف الأنظار ، بل تكون له حقيقة مشخصّة إمّا أن توجد أو تُعدم ، ويمثّل المصنِّف لذلك بمثال « الكسر والانكسار » ، فقول الشخص : « كسرت الإناء فانكسر » ، لا يختلف باختلاف الأنظار ، بل إمّا أن يتحقّق الكسر فيكون القائل صادقاً ، أو لا يتحقّق فيكون كاذباً . والبيع - برأي المصنِّف ( قدس سره ) - من قبيل الإيجاب والوجوب ، أي : أنّه يختلف صدقه باختلاف الأنظار ، وعليه : فما يوجده البائع في إنشائه للبيع يكون نقلًا وتمليكاً ، بل ويتحقّق الانتقال والتمليك ، لكن بنظر البائع لا الشرع ، فإنّ الموجِب للبيع يتحقّق عنده النقل والانتقال بمجرّد إيجابه ، ولا