فليس في القرض مقابلة في التمليك ، أو مبادلة مال بمال ، بل هو تمليك من طرف المقرض بشرط الضمان ، وشرط الضمان خارج عن حقيقة هذا التمليك ، كما قلنا ذلك في الهبة المعوّضة من : كون العوض فيها خارجاً عن حقيقة التمليك ، وهذا بخلاف البيع الذي يكون فيه مبادلة بالملكيّة ، بحيث لا تتحقّق كلّ من الملكيّتين مع عدم تحقّق الأخرى ، كما تقدّم .
إذن ، فيخرج القرض من تعريف البيع ، من خلال التقييد بقوله : « بعوض » ؛ إذ تفيد أنّ البيع مبنيّ على المعاوضة ، وكون كلّ من العوضين في
قبال الآخر ، ويشترط في صدق المعاوضة تغاير العوض للمعوّض وتعدّدهما ، فلا يعقل أن يكون العوض هو نفسه المعوّض ، وأن يكون الشيء عوضاً عن نفسه ، وهذا القيد غير متوفّر في القرض ؛ لأنّ ما يدخل في الذمّة فيه وما يضمن هو نفس العين ، فلا يصحّ أن تكون عوضاً ومعوّضاً في آنٍ واحد .
وقد اتّضح ممّا ذكرنا الفرق بين الهبة وبين القرض ، فالهبة هي أن يملّك الواهب المتّهب شيئاً مجّاناً ، أمّا القرض فهو أن يملّكه بشرط ضمانه ، أمّا البيع فهو أن يملّك العين للمشتري مقابل تمليك المشتري العوض للبائع ، كما يفترق القرض عن العارية بالتمليك ؛ إذ القرض تمليك بشرط الضمان ، أمّا في العارية فهناك ضمان لكن دون تمليك العين ، بل يباح الانتفاع بها فقط .
وهنا يتساءل : إذا كان المقترض ضامناً للعين بنفسها للمقرض ، فكيف يصحّ له أن يتصرّف فيها ، ويقضي بها حاجته ؟ فمن يقترض مالًا لبناء دارٍ - مثلًا - كيف ينتفع بهذا القرض مع كونه ضامناً لعين هذا المال ، ولابدّ من إرجاعه لصاحبه عند المطالبة ، أو عند حلول الأجل ؟ ومع ذلك ألا ينتفي الغرض من القرض ؛ إذ الغرض منه استيفاء الحاجة ؟
بحوث في فقه عقد البيع — صفحة 339
مساهمون: السيد كمال الحيدري
ص٣٣٩