الحرّ ، الذي لا يملك مالًا بالفعل ، صاحب مال ، وإن كان يتقن صنعةً ما ، أو يقدر على العمل والاكتساب . نعم ، الحرّ الذي يتعاقد على عملٍ ما يمكن أن يسمّيه العرف : صاحب مال ، أمّا قبل المعاوضة على عمله فلا يكون كذلك ، وعليه : فلا يصحّ جعل عمل الحرّ ثمناً في البيع إلّا بعد المعاوضة عليه بعقدٍ سابق .
والشاهد على هذا الفهم العرفي : عدم ترتّب العديد من الآثار الشرعيّة المشترطة في المال على هذه الصورة ، ومن تلك الآثار :
أ . عدم تحقّق الاستطاعة ، فلا يعتبر الحرّ - القادر على العمل أو المتقن لصنعة أو حرفة - مستطيعاً دون أن يمارس الاكتساب بعمله ، ولا يجب عليه الاكتساب وتحصيل مؤونة الزاد والراحلة لأداء الحجّ .
ب . عدم ضمان حابس الحرّ لأعماله ، فإذا حُبس الحرّ القادر على العمل ظلماً ، لا يكون الحابس ضامناً لعمله ، فلو كان عمله قبل المعاوضة عليه مالًا لكان الحابس ضامناً له ، كما يضمن حابس العبد والدابّة ؛ لتفويت مصالحهما ، وإن لم يستوفِ منافعهما ؛ لصدق أنّ « من أتلف مال غيره فهو له ضامن » ، فبما أنّ عمل الحرّ لا يُضمن ، فهو ليس بمال .
المناقشة
ويجاب على هذا الوجه بعدّة أجوبة :
أوّلًا : إنّ مفاد هذا الدليل : نفي ملكيّة الحرّ لعمله قبل المعاوضة عليه لا نفي الماليّة عن العمل بحدّ ذاته ، وهناك فرقٌ كبير بين الاثنين .
بيان ذلك : تقدّم مراراً : أنّ مفهوم الماليّة منتزع من الشيء بلحاظ كونه ممّا يميل إليه النوع ، ويدّخر للانتفاع ، دون أن تلحظ فيه النسبة إلى مالك معيّن ، فالذهب بنفسه مال ، دون أن نضيفه إلى شخصٍ أو أيّ شيء آخر .