ب . الجواب الحَلِّي
تقدّمت الإشارة إلى معنى الماليّة وحقيقتها ، وقلنا : إنّ الماليّة هي صفة ثبوتيّة اعتباريّة قائمة باعتبار العقلاء ، كما هو الحال في الملكيّة أيضاً ، فالماليّة تنتزع من الشيء بلحاظ كونه في حدّ ذاته ممّا يميل إليه النوع من أبناء الإنسان ، ويدّخرونه للحاجة ، ويتنافسون في تحصيله ، فهي وإن كانت صفة وجوديّة وثبوتيّة تدلّ على وجود حالة في موضوعها استدعت اتّصافه بالماليّة ، إلّا أنّ هذه الماليّة صفة اعتباريّة قائمة باعتبار العقلاء ، ولا فرق في الاعتبار بين كون المعتبَر موجوداً أو معدوماً ، فكما يمكن لهم أن يعتبروا الذهب الموجود مالًا ، كذلك يصحّ لهم أن يعتبروا خياطة الثوب التي لم توجد بعد ، والمنّ من الحنطة الذي لا تحقّق له في الخارج من الأموال ؛ لوجود منشأ الانتزاع في كلّ منهما ، وهو كونهما ممّا يرغب فيه الناس ويتنافسون في تحصيله .
نعم ، لا ريب أنّ فعليّة الانتفاع بالمال لا تتحقّق إلّا بوجود ذلك المال وتحقّقه في الخارج ، فلا يمكن الانتفاع بالمنِّ من الحنطة إلّا بعد وجوده وتشخّصه والحصول عليه ، وكذلك منفعة الدار وعمل الإنسان اللذَين هما من الأعراض الموجودة خارجاً بوجود موضوعاتها ، إلّا أنّ ذلك لا دخل له في صدق الماليّة أو عدمها ، كما أنّ الملكيّة الاعتباريّة لا تصدق على الشيء إلّا بعد وجوده في الخارج ، أو في الذمّة ، كما سيتّضح ذلك لاحقاً .
فتلخّص : أنّ كلّ المنافع - بما فيها عمل الحرّ - يصحّ اتّصافها بالماليّة وإن لم تكن متحقّقة وموجودة حين الاتّصاف ، فلا وجه للإشكال بعدم وقوعها عوضاً في البيع . قال المحقّق الأصفهاني ( قدس سره ) : « إنّ الماليّة والملكيّة اعتباران عقلائيان ، تنتزع الأولى من الشيء بملاحظة كونه في حدّ ذاته ممّا يميل إليه