ولا فرق في هذا الحكم بين كونها منفعة للأعيان الجامدة ، كسكنى الدار ، أو منفعة للإنسان ، كأعمال الكاسب ، من الخياطة والطبابة والنجارة وغيرها ، سواء كان الإنسان حرّاً أم عبداً ، فحُكمُ المصنِّف ( قدس سره ) - بجواز وقوع المنافع ثمناً في البيع - يشمل كلّ هذه الأصناف الثلاثة من المنافع .
أمّا الدليل على هذه المسألة ، فلم يصرّح به ، لكنّه يتّضح ممّا تقدّم من توفّر شروط البيع العرفي في ما يكون العوض فيه منفعة ؛ إذ يشترط في العوضين أن يكونا ممّا يُعدّ مالًا عند العقلاء ؛ ليصدق على المعاملة أنّها « مبادلة مال بمال » ، فيمكن أن نقول في تقريب الاستدلال :
إنّ المنافع تُعدّ عند العرف من الأموال التي يتنافس العقلاء في تحصيلها ، وقد تعرّضنا في المسألة الأولى إلى تعريف المال لغةً وعرفاً وشرعاً ، وذكرنا أنّه وإن كان الظاهر من بعض اللغويّين عدم كون المنفعة من الأموال ، إلّا أنّ مشهور الفقهاء اعتبروها كذلك ، كما صرّح به السيّد الخوئي ( قدس سره ) وغيره من الأعلام « 1 » ، باعتبار أنّ المنافع ممّا يرغب فيها العقلاء ، بل ويتنافسون عليها ، وإذا كانت كذلك فلا شكّ من انطباق عنوان البيع على تمليك العين بالمنفعة .
ولا ينبغي أن يُشكل - نقضاً - بأنّ المنفعة إذا كانت من الأموال في اللغة والعرف ، فما هو السّر في عدم صحّة جعلها معوّضاً ؟ فإنّ ذلك يتّضح ممّا تقدّم من : أنّ البيع وإن كان لغةً هو : « مبادلة مال بمال » ، إلّا أنّ الظاهر من العرف انحصار معناه بما كان المعوّض فيه عيناً ، لا غير ، كما اختاره البعض ، فقدّم المعنى العرفي على المعنى اللغوي هناك ، أمّا في العوض فلا يوجد مثل هذا التباني العرفي في اشتراط عينيّة العوض ، بل هنا ندّعي العكس ، وهو :
هامش
( 1 ) لاحظ : بحثنا - المتقدّم - تحت عنوان : المال وحقيقته . .