فالقرآن واضح إذن في أنّه حتى الشراب الذي يُعطى للأبرار وللمقربين في الجنة ليس على درجة واحدة . فالأبرار يشربون من نهر ومن عين مزاجه من تسنيم . أما المقربون فإنّهم يشربون خالصاً من عين التسنيم ، وهذا التفاوت هو نتيجة تلك العقائد وتلك الدرجات التي كانوا
عليها في الدنيا .
هذه إشارة واحدة وثمَّ غيرها كثير . على سبيل المثال نجد القرآن الكريم يقول تارة : ( وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) « 1 » يعنى الجنة . ويقول أخرى : ( وَاللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ) « 2 » . فالذين يعبدون الله قد يعبدونه لأجل ما عنده ، وقد يعبدونه لأجله ، فأولئك الذي يعبدونه لأجل ما عنده فما عند الله خير وأبقى ، بمعنى الجنة ، أما الفئة الأخرى فلا تعبده لأجل ما عنده بل لأجله « 3 » . وهكذا تختلف الدرجات .
أما إذا انتقلنا إلى الروايات فهي كثيرة في دلالتها على المراد ، ومن ذلك ما ورد في الجزء الثاني من أصول الكافي ، ومنها الرواية القيّمة عن عبد العزيز القراطيسي ، قال : (
قال لي أبو عبد الله الصادق
هامش
( 1 ) القصص : 60 .
( 2 ) طه : 73 .
( 3 ) في الكافي عن الصادق عليه السلام ، قال : ) [ إنّ ] العبّاد ثلاثة : قوم عبدوا الله خوفاً فتلك عبادة العبيد ، وقوم عبدوا الله تبارك وتعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء ، وقوم عبدوا الله عزّ وجلّ حبّاً ، فتلك عبادة الأحرار ، وهى أفضل العبادات ( ، ينظر : الأصول من الكافي ، ج 2 ، كتاب الإيمان والكفر ، باب العبادة ، ح 5 ، ص 84 ، وفى ) نهج البلاغة ( أيضاً : ) إنّ قوماً عبدوا الله رغبةً فتلك عبادة التجّار ، وإنّ قوماً عبدوا الله رهبةً فتلك عبادة العبيد ، وإنّ قوماً عبدوا الله شكراً فتلك عبادة الأحرار ( . نهج البلاغة ، طبعة صبحي الصالح ، الحكمة رقم 237 ، ص 510 .