إنّ هذه القدرة على الانتخاب والاختيار التي وضعت في الإنسان جعلته محوراً لكل ما في السماوات والأرض ، وإلّا عندما نأتى إلى الموجودات الأخرى نجد أنها لا تستطيع أن تخرج عن المسار الذي خُطّ لها . فللملائكة مثلًا دائرة محدّدة : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وهكذا بالنسبة لبقية الموجودات في عالمنا غير الإنسان ، نجد أن لكل منها مسيرة لا تتخلف عنها ، ولكن الإنسان يبقى هو الاستثناء . فمع أنّه رسمت له مسيرة ودائرة تحرك وجودىّ ، لكنّه
يستطيع أن يمشى ضمن تلك المسيرة والقافلة الوجودية ويمكنه أن يتخلف عنها . ومن هنا صار خليفة الله في الأرض . فخلافة الله في الأرض أعطيت للإنسان لكونه موجوداً مختاراً يستطيع أن يفعل ما أمر به وأن لا يفعل . وهذه السمة من أهم خصوصيات المستَخْلِف الذي هو الحق سبحانه . فالحق موجود مختار له القدرة أن يفعل ولا يفعل ، وكذلك خليفة الحق جلّ جلاله لابدّ أن تكون له القدرة على أن يفعل أو لا يفعل . لهذا نجد أن الملائكة عندما استفهمت عن سرّ جعل الإنسان خليفة الله في الأرض ، جاء الجواب :
( إِنِّى أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ
) « 1 » .
هكذا يتّضح أن النقطة الأساسية لجعل الإنسان محوراً لهذا النظام الوجودىّ تكمن في أنّه موجود مختار مركّب من بعدين .
هامش
( 1 ) البقرة : 30 .