والهداية الفطرية غير قابلة للتبدّل والتغيير . وهى بتعبير القرآن سنّة من
السنن الإلهية ، والسنن الإلهية جارية مطّردة ، كما اقتضت الحكمة الإلهية ذلك :
( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا
) « 1 »
و ( وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا
) « 2 » . ولكن المشكلة أن الهداية الفطرية هذه لا تعيّن المصداق ولا تحدّد الطريق ، بل تجعل الإنسان طالباً للكمال ، ومشدوداً لكمال لا متناه . فأيما مرحلة بلغها الإنسان من مراحل الكمال تراه يتخطاها لينشد مرحلة جديدة من دون أن يتوقف عند حدّ معين .
بيد أنّ هذه الفطرة - كما أسلفنا - لا تعيّن ما هو هذا الكمال ؛ كما أنها لا تعيّن للإنسان الطريق الذي يوصل إليه . من هنا ظهرت حاجتنا إلى الشرائع السماوية ، وإلى الدين وإلى الأنبياء ، إلى رسل مبشرين ومنذرين . فوظيفة النبي أن يأتي بهداية تشريعية ، أي يقول : ينبغي لنا أن نفعل هذا ولا ينبغي أن نفعل ذاك . وحسب تعبير رسول الله صلّى الله عليه وآله مخاطباً الأمة في واحدة من أواخر خطاباته إليها :
( يا أيها الناس ! والله ما من شئ يقرّبكم من الجنة ويباعدكم من النار إلّا وقد أمرتكم به ، وما من
شئ يقرّبكم من النار ويباعدكم من الجنة إلّا وقد نهيتكم عنه )
« 3 » .
لاحظوا أن المدار هو القرب الإلهى ، والهدف من خلق الإنسان هو تحقق القرب الإلهى والابتعاد عما يحول دون ذلك ويبعّد
هامش
( 1 ) الأحزاب : 62 .
( 2 ) فاطر : 43 .
( 3 ) الأصول من الكافي : ج 2 ، كتاب الكفر والإيمان ، باب الطاعة والتقوى ، ح 2 ، ص 74 .