كان واقعاً فليس على نحو الموجبة الكلية ، بل على نحو الموجبة الجزئية .
الطريق الثاني : من يتأمل النظام الوجودي للكون والإنسان والحياة يسهل عليه أن يلحظ أنّ الله سبحانه عندما يريد أن يحقق الأشياء خارجاً يضع أسباباً
ووسائط لتحققها ، بحيث يمر نظام وجود الأشياء من خلال الوسائط والأسباب لكي يتحقق في الخارج .
فالإنسان الجائع يتناول الطعام ، والطعام هو الذي يرفع الجوع . والعشطان يزيل عطشه بالماء ، ولابدّ أن توجد النار كي يتم الإحراق ، وأن يتحقق السحاب ليوجد المطر ، وأن توجد الرياح فيتحقق التلقيح ، وهكذا إلى آخر الظواهر التي تزخر بها الطبيعة وتفرض نفسها على الحياة الإنسانية بل النظام الوجودي برمّته .
إنّ الله سبحانه هو الذي يوجد الأشياء جميعاً ، بيد أن حكمته اقتضت أن يوجد بعضها بلا واسطة وبعضها بالواسطة . لقد تعلّقت الإرادة الإلهية بإيجاد بعض الأشياء بلا واسطة ، كما نؤمن بذلك في الخلق الأول . فالمخلوق الأول أوجده الله بلا واسطة ، لذلك ذهبوا إلى أن العلّة الفاعلية هي العلّة التامّة ، لأنّ فعله لا يتوقف على شئ إلّا على محض إرادته ليس إلّا .
لكن بإزاء ذلك راحت قاعدة وجود الأشياء بنظام الوسائط تسرى في حركة الوجود ( وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ) « 1 » .
وهذه الوسيلة ليست مختصة ببعضٍ دون بعض بل هي مطلقة .
هامش
( 1 ) المائدة : 35 .